فيلم لـ: فراس محادين
فيلم وثائقي قصير حول أزمة صناعة الأحذية في الأردن
(تمت صناعة الفيلم بلا ميزانية على الأطلاق)
![]() |
| Nikon F80 35mm, 70-200 Macro Lense, Kodak Plus films السوق القديم في عمّان - من تصويري |
لفهم ملابسات انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي يجب النظر ببساطة الى القوى السياسية و الأحداث و طبيعة المتغيرات في المنطقة...
بالنسبة لشبكة العلاقات السياسية في المنطقة فيمكن اختصارها كالاتي:
- ما يسمى بتيار الاعتدال العربي:السعودية (و باقي دول الخليج) – مصر – الأردن، و هو التيار المرتهن تماما للادارة الأمريكية، وهو إما متحالف مع الكيان الصهيوني بشكل علني أو من تحت الطاولة.
- تيار الممانعة: ايران – سوريا – حماس – حزب الله – القوى الشعبية (قومية و يسارية واسلامية ووطنية)، و هو التيار الذي يحاول البحث عن استقلال حقيقي عن التبعية لأمريكا و الكيان الصهيوني.
- تركيا الطامحة لدور اقليمي (كمركز سني) متحالف مع امريكا و الكيان الصهيوني من جهة، وتتحدث من جهة أخرى عن "تحرر" و عن دعمها لحق الشعب العربي في الحرية مع بعض البهارات (انتقادات للكيان الصهيوني و رحلات بحرية الى غزة .. الخ)
و يمكن التحدث عن المتغيرات الأساسية في النقاط التالية:
- الانتفاضة الشعبية في مصر و التغير في رأس السلطة و ما سيصاحبه من تغير في الأداء السياسي و ربما دور مصري جديد في المنطقه
- ما يسمى بالمصالحة الفلسطينية و أثرها على المنطقة
- الأحداث في سوريا
و كما نعرف جميعا، فهناك مخطط أمريكي قديم (متجدد) يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد"، و هو ما بشرت به رايس من قلب بيروت أثناء دك الطائرات الصهيونية للشوارع و البلدات اللبنانية، و لكن الصمود البطولي لحزب الله أفشل ذلك المخطط وقتها، مما استدعى تجديد هذا المخطط تبعا للظروف و المتغيرات، فقد أدى انتصار المقاومة اللبنانية المجيدة و صمود المقاومة الفلسطينية (حماس) ما بعد العدوان الصهيوني على غزة (وما بعد مؤامرة السلطة الفلسطينية عليها) الى اضطرار الادارة الأمريكية للبحث عن بدائل لمواجهة تزايد قوة و تأثير تيار الممانعة في المنطقه الذي توج بنزع الحريري عن رئاسة الوزراء في لبنان، و هو ما استدعى للبحث عن حليف قديم – جديد للعب دور جديد في المنطقة (تركيا).
و في عصر ما بعد الانتفاضة الشعبية في مصر، و البحث عن دور سياسي حقيقي لمصر، و في سياق القلق التركي من هذا الدور، و الذي ربما سيؤدي الى خلق بؤرة للتحرر العربي (خصوصا ان تحالف مع تيار الممانعة) مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب السياسية التي يقوم بها المجلس العسكري الحالي في مصر للبحث عن دوره الإقليمي (تمرير البوارج الايرانيه، الضغط على السلطة الفلسطينية و حماس من أجل المصالحة، تفجير انابيب الغاز لوقف التصدير لاسرائيل ... و حتى التفاوض مع دبلوماسيين اسرائيليين ... الخ)، الذي يجبر الادارة الامريكية على البحث عن بدائل.
أما الأحداث في سوريا (بغض النظر عن الموقف منها) .. و لكن، اضعاف النظام السوري يؤدي بالضرورة الى اضعاف تيار الممانعة مما يضع على الطاوله خيار تعزيز دور الحليف الرئيسي للولايات المتحدة (السعودية)، و خلق قطب جديد في المنطقة ليلعب دورا في اعادة ترتيب المنطقة و تمرير ما يسمى بـ "الشرق أوسط الجديد"، و في الحقيقة لا يمكن انكار الدور السعودي كوكيل للولايات المتحدة في المنطقة، و لا يمكن انكار أولوية اسرائيل كصمام أمان أمني لمصالح العم سام في بلادنا...
طبعا على تركيا ان تحدد خياراتها في هذا السياق، إما الذهاب بعيدا و البحث عن تحالف اقليمي مع تيار الممانعة و القوى الجديدة الصاعدة (مصر)، أو البقاء على مسافة واحدة مع الجميع و بحث الخيارات الأمريكية (القديمة الجديدة) لها، و هو ربما ما يحدث الان بالنظر الى الموقف التركي من احداث سوريا، و هنا المسألة تعتمد على الرهان السياسي على الخيارات القابله للصمود و الخيارات القابلة للهزيمة. خصوصا مع المصالحة الفلسطينية التي ربما ستخرج حماس من دائرة الممانعة العربية ... طبعا الجميع ينتظر تطور الأحداث على أكثر من صعيد، و الجميع وضع نفسه في منطقة الرهان السياسي نفسها للحفاظ على خط الرجعة و فتح الأفق أمامه على حسب النتائج المختلفه للوضع السياسي.
و بالتالي، فإن التحركات لخلق دور اقليمي لمجلس التعاون الخليجي في مواجهة ايران في هذه اللحظة السياسية هو بالضرورة من أجل اضعاف تيار الممانعة لتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، بحيث يكون لاسرائيل الدور العسكري و السياسي الرئيسي (للحفاظ على أمنها)، و ذلك يعني بالضرورة تمكين اسرائيل من حل القضية الفلسطينية من خلال مشروعها المعلن (مشروع الكونفدرالية)، و تحويل المحيط العربي الى كيانات هشه غير قادرة على أخذ زمام المبادرة و القرار السياسي.
و لذلك نقول أن من يحلم ببناء دول ديموقراطية ذات سيادة حقيقية خارج اطار الممانعة هو واهم، لأن المطروح هو الانبطاح للمشروع الأمريكي تماما، و بالتالي أية طموحات لأي مشروع خارج هذا السياق هو وهم أو عمالة.
أردنيا، الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني بالضرورة الهرب من استحقاقات الاصلاح السياسي و الاقتصادي الحقيقية، و التأكيد على الخيارات الأمريكية، و لكنها هذه المرة تهدد الوجود الأردني نفسه، فمشروع الكونفدرالية يعني انتهاء مشروع الدولة لصالح الارتهان الكامل للمشرووع الامريكي ... وذلك من خلال رمي الهوية التاريخية للدولة بعرض الحائط، و فتح الأردن مرة أخرى لخيار المساعدات الخارجية.
و عليه، فإن الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني التحرك في اتجاه اضعاف تيار الممانعة، وبالتالي تقوية الخيار الامريكي – الصهيوني، و هو ما سيفتح الباب و سيسهل تمرير المشاريع الصهيونية في المنطقة بلا "ممانعة" ... أي الذهاب مباشرة نحو الكونفدرالية
في الساعة الثامنة صباحا ... وصل الى موقف الباص .... كعادته ...
و كعادته أيضا ... في الصباحات الباردة ... حمل ذلك المعطف الثقيل على جسده ...
وجد بقعة من الشمس .. قرر التوقف فيها .... و لكن ...
إحدى الفتيات تقف في نفس البقعه ..
"أين سأقف؟" .. فكّر ...
"تلك الفتاة جميلة فعلا ... لم أرها من قبل" ... فكّر أيضا ...
هو ... يجب أن يقرر البقعة التي سينتظر فيها وصول الباص ...
هل سيقف خلف الفتاة.... ربما تظن أنه سيقوم بمعاكستها .... تردد ... ثم ... قرر أن يقف أمامها .... و هكذا كان ....
وقف بمعطفه الثقيل ... يراقب بدقه الأجساد الحديدية الضخمة التي تمر أمامه في الشارع ... بانتظار الباص المعهود ....
"هذا الصباح أكثر برودا من المتوقع" ... فكّر ... ثم شعر بالسعادة لايجاده بقعة الشمس تلك للتوقف فيها .... ابتسم ... ثم ....
تلك الفتاة خلفه ... فكّر ... كانت الفتاة جميلة حقا ... اراد النظر خلفه ... تردد .... نظر خلسة .... اراد النظر مجددا ... و لكن .... ربما سيعرف الموجودين في موقف الباص بأنه وحيد .... لم يرد ذلك .... ربما خجلا منهم .. و ربما خجلا من نفسه ... لأنه فعلا ... وحيد ...
قرر عدم النظر خلفه ... تمالك نفسه ... ثم ....
وصل الباص المنتظر .... صعد مباشرة ... و جلس على أحد الكراسي في مقدمة الباص ...
مشى الباص ببطء في شوارع المدينه ....
هو ... ظل طوال الطريق يفكر للتوصل لطرق مختلفه ليبرر النظر خلفه نحو تلك الفتاة .. كان يعرف أنها تجلس في الخلف .. فقد رآها و هي تصعد خلفه في نفس الحافله ... كان سعيدا بذلك ...و شعر بالحزن في نفس الوقت ... فقد تذكّر أنه وحيد الآن ...
مرةَ ... نظر خلسه ..
و مرة أخرى ... و هو ينظر من الشباك ... لحق بنظره حافلة أخرى .. و كأنه مهتم فعلا بتلك الحافله ... كان في الحقيقة يبحث عن مبرر كي ينظر نحو تلك الفتاة ...
و في مرة ثالثه ... بحث عن شيء ما في جيوب المعطف ... كان متأكدا تماما أن جيوبه خاليه .. و لكن ... كان ذلك يسهل عليه مهمة النظر نحو الفتاة دون أن يكون ذلك مكشوفا ...
لم يكن يعرف لماذا ... لم يكن يريد أي شيء سوى النظر إليها ... ربما شعر في تلك اللحظه باهتمام نحو شخص ما .... كان ذلك يكفيه ... ليعبر صباحه البارد ...
وصل الى محطة النزول ....
هو ... سيبدأ يومه المعتاد في العمل ...
* * *
في الساعة الثامنه صباحا .... كانت تقف في بقعة الشمس على موقف الباص ...
و لسبب ما ... كانت تشعر بالحيويه في ذلك الصباح ...
"أنا متأكدة أن الوشاح القرمزي يبدوا جيدا على المعطف الأبيض" ... قالت لنفسها .... كانت سعيدة بتلك الفكرة ... لم تكن متكلفه في ملابسها .... ولكن كانت أنيقة ..
جاء شاب بمعطف رمادي ووقف أمامها في المحطة ... لم تلاحظه في البدء ... فقد كانت تفكر في اللقاء مع أصدقائها بعد العمل .... تمنت أن يكون الجو مناسبا بعد الظهر ... سيكون من الجيد اللقاء في مكان مفتوح ...
هي ... تحب الأماكن المفتوحه ...
نظرت نحو الشارع ... في انتظار الباص ... لاحظت الشاب ذو المعطف الرمادي الواقف أمامها ... كان تركيزها منصبا في تلك اللحظه على ياقة المعطف لذلك الشاب .... كانت الياقة تحتاج الى تعديل من الخلف .... تمنت لو تستطيع تعديلها .... داعبتها الفكرة ... ابتسمت ...
"لا بد أنه وحيد" ... هكذا فكرت ...
هناك بعض الأشياء التي يمكن أن تشي بالتفاصيل الخاصة بحياتنا، كحكاية الياقة تلك. و بالفعل، لو لم يكن صاحبنا وحيدا، لكان هناك من يعدل لهذا الشاب ياقته من الخلف قبل أن ينزل. و الحقيقه المؤكده، أنك لا تستطيع أن ترى ياقتك من الخلف لو نظرت بالمرآة. و المؤكد أيضا، أن هذا النوع من التفاصيل يجذب دائما المرأة للتدقيق فيه .. لربما هو ما يسمونه "حاسة المرأة السادسة". و في قصتنا هذه، سيكون تأثير حكاية الحاسه السادسة للمرأة أكبر بكثير على صاحبنا الخائف من وحدته لهذه الدرجه ...
و على كل الأحوال ... وصل الباص ... و صعدت هي ...
في الباص ... جلست بجانب الشباك...
نظرت نحو الأبنيه و الحافلات و السائرين على الأقدام... فكرت بالكثير من الأشياء ... تذكرت الكتاب الذي كانت تقرأه قبل أن تنام ... وضعت يدها على حقيبتها .... و تأكدت من أنها ما تزال تحمله ... شعرت بالارتياح ... فربما يمكن أن تسرق القليل من الوقت للقراءة أثناء العمل .... هو عمل ممل على كل الأحوال ... و لا ضير من بعض القراءة ...
هي ... كانت تكره الكلمات المتقاطعه ... و كانت تكره أكثر من يقومون بالتسليه بها أثناء العمل ...
هي ... تكره الأشياء المكررة و النمطيه ..
ذلك الشاب ما زال في الباص يجلس أمامها ...و ما زالت ياقته بحاجه إلى تعديل ...
كان يلتفت يمينا و شمالا ... أصبح لديها بعض الفضول لتعرف شكله ... فهي لم تره إلا من الخلف ... كم تمنت أن ينظر ناحيتها.
الغريب هنا، أن صديقنا الذي كان يبذل الكثير من المجهود لينظر نحو الفتاة ... كان يبذل مجهودا أكبر كي لا ينبه أحد اليه.. مما منع الفتاة من رؤيته ...
عادت صديقتنا للتفكير بكتابها .. و فكرت أيضا بأول شيء ستقوم به عندما تصل للعمل ... كان لديها رغبه مفاجئه لشرب الشاي بالنعناع ....
لم تكن تشرب الشاي أصلا ... نظرت نحو صديقنا مجددا ... و فجأة ... توقف الباص .. نزل صديقنا مسرعا ... لحقته بنظرها ... لم تتمكن من رؤيته بوضوح ... فكرّت .. ربما سأراه على نفس الموقف مجددا....
فراس محادين
القاهرة – في 25 كانون الأول 2009