Tuesday, May 24, 2011

صناعة في غرفة الانعاش




فيلم لـ: فراس محادين




فيلم وثائقي قصير حول أزمة صناعة الأحذية في الأردن
(تمت صناعة الفيلم بلا ميزانية على الأطلاق)

سوبرماركت

فراس محادين
Nikon F80 35mm, 70-200 Macro Lense, Kodak Plus films
 السوق القديم في عمّان - من تصويري
لا اريد سوبرماركت بألوان تستحضر في ذاكرتي أحد الأفلام الأمريكيه (حتى و ان كان فيلم جيد) ... لا اريد خضارا وفواكه منمقة و موضوعة بافتعال شديد لتتوافق مع الوان العبوات البلاستيكيه هنا و هناك....
أفضل الذهاب لسوق شعبي ..حيث تتراكم كتل البندورة و الخيار و الكوسا هكذا اعتباطا في مشهد حقيقي بلا افتعال، و حيث يتوجب علي التحرك بين الباعة و اختيار السعر الأنسب و البضاعة الأفضل، و سأضطر كثيرا ان اتجاوز هذه المعايير و اشتري من احد الباعة الذي أصبح صديقا (و سأبذل المزيد من المجهود و أنا احاول اختيار أفضل الموجود)، و ربما سأحاول مازحا التفاوض معه للحصول على سعر أفضل، و ربما لن أنجح ... و لكن أنا واثق بأن هذه الصداقة و هذه العلاقة الانسانية (حتى و ان اختصرت ببضع دقائق كل اسبوع) تستحق هذا التنازل ...
ما زلت مفتتنا بالألوان العفوية لتلك الكتل الفوضوية من الخضار و الفواكه، و ذلك البائع الذي يضع "تفاحه" بعناية خاصة، و سأقف (كما كل مرة) لمراقبة أحدهم و هو يشتري التفاح لأبنائه و يفاوض البائع و ربما يتبادلان بعض النكات و الشكاوى، طبعا انا أعرف انه يقوم بالشراء لابنائه هكذا ببساطه، فهكذا هم الآباء، يمكن تمييزهم بسهولة، فهناك مسحة من الشدة و الحب سويا، تركيبة تصبغنا جميعا عندما نتحول لآباء، لربما بسبب التقاليد و المخزون، و ربما لصعوبة الحياة التي نمر بها ... و ربما بسبب الاثنين معا ... و في كل الأحوال ...سأتوقف عند هذا المشهد كل مرة ... ربما تطلعا للمستقبل ... أو للماضي ...ـ
ولم تتوقف دهشتي اطلاقا عند مشهد هذه الأسواق ليلا، خصوصا مع اسلاك اللمبات الصفراء المتوزعة بشكل عبثي تماما فوق الخضار و الفواكه، و تفاوت الضوء و الظل مع تلك الألوان المختلفه .. اصفر .. اخضر .. احمر .... و مع وجوه الباعة المتطلعة للعودة لمنازلهم ... و مع اقتراب نهاية يوم اخر من العمل ...
لا اريد سوبرماركت يبيع كل هذه الخضار لحساب شخص واحد... شخص خفي لا أراه ... يعطي القليل القليل من النقود مقابل الكثير الكثير من ساعات العمل للبائعين بملابسهم الموحدة و قبعاتهم (التي ربما تحمل وجها سعيدا) ... و تحتها وجه قارب على فقدان الملامح تماما !!!!
لا أريد سوبرماركت يحوي كل شيء في مكان واحد و يؤمن لك سلال على عجلات تضع فيها ما تريد، يوفر عليك كل الجهد، ويسهل عليك مراكمة المزيد من الوزن الزائد، ويغريك بالمزيد من الطعام َ!!! و ان اراد احدهم او احداهن الاحتفاظ بجسد رشيق فعليهم التوجه نحو أحد المراكز الرياضية حيث يقدم لك الات كهربائية لممارسة الرياضة و برنامج للتمارين و حمامات، كل شيء معد سلفا بما في ذلك الموسيقا و الذائقة ... و ربما سيقوم هؤلاء بشراء مستحضرات للحفاظ على الوزن أيضا ... من نفس السوبرماركت!!!
أنا لا أريد ذلك ... أريد ان امشي أكثر ... و أبذل المزيد من الجهد ... و أن استمتع بذلك السوق أكثر ... و ان اكل بكميات أقل (بما يتناسب مع مجهودي اليومي) ... و اريد ان ابحث عن الموسيقا بنفسي
لا أريد سوبرماركت ... حيث كل شيء معلب .. و مطابق للمواصفات !! .. لا أريد هذا الجو "العائلي" الهادئ ... حيث يمكن للجميع شراء "اشياء" لممارسة طقس جماعي... لتغذية طاقة الانسان التواقة للتطور و الحرية و تقديم"المهدئات" لها عبر "اشباع" زائف لهذه الحاجه، فيصبح حذاء على "الموضه" اشارة و فعل تطور و تحرر

لا اريد لأحدهم ان يمارس العمل الأكثر بدائية (و هو مراكمة المال و السلطة) تحت مسمى "الحداثة و التطور و الحرية"
حتى الحرية أصبحت معلبة ... فهناك علب بلاستيكية في منازلنا تحدثنا عن ماهية الحرية بالصوت و الصورة ... و اصبح الجميع يسمع و يرى وهو صاغر و موافق على كل ما يصله من تلك العلب و يمارس ما يسمى بالحرية تلك انصياعا و بلا قرار!!
انا اشعر بالحرية أكثر و انا اشتري النعناع من امرأة مسنة مصرة على الابتسام دائما ... اشعر بالحرية عندما اخلع حذائي و أمشي على الاسفلت حافيا ... أشعر بالحرية عندما احمل موقفا مكدرا للصفو العام (بحسب ادونيس) ...
انا اشعر بالحرية أكثر و انا اكتب هذه الكلمات ...و أخاف ان لا يكون ذلك أكثر من تنفيس لسخط وصل عندي مرحلة الثورة .... و أتمنى ان لا يقرأ هذه الكلمات من يمكن ان يقل سخطه بسبب هذه الكلمات أيضا !!!ـ





(ملاحظة: هذه الكلمات هي عبارة عن احتجاج معلن وليست تحليلا سياسيا أو خاطرة أدبية .. و هي نتيجة نقاشات مع الكثير من الرفاق و الأصدقاء ... و بخاصة الصديق محمد فرج و مقاله التحليلي المهم المعنون بـ "سلعة الحرية و لغة السلطة" على الرابط التالي:
http://alarabalyawm.batelco.jo/print.php?news_id=302855  )

Monday, May 16, 2011

الثورة بين التحرر و ازاحة الوعي

فراس محادين

ظاهرة الاحتجاجات العربية الجديدة ليست بلا مبررات، فهي نتيجة أزمة حقيقية تمتد من المحيط إلى الخليج، و هنا نتحدث عن حزمة متكاملة من الأزمات الداخلية والخارجية. الداخلية فيما يتعلق بإدارة الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم و توزيع الثروة و السلطة وعلاقات الانتاج، والخارجية المتعلقة بموازين القوى ومسألة السيادة والموقف من القضايا المركزية (احتلال فلسطين والعراق)، ونستطيع الجزم تماما بأن هذه الأزمات هي السمة الثابته في جميع الدول العربية.
وفي سياق الأزمة كما أسلفت، فإن التحدث عن عدم استقرار هذه الأنظمة هو أمر واقع، و عدم الاستقرار هذا يعني بالضرورة أن هذه الأنظمة، مجتمعة وفرادى، قابلة لفقدان التوازن في أية لحظة.
وعندما بدأت شرارة هذه الاحتجاجات وعبرت عن نفسها من خلال خروج الآلاف من البشر في شوارع تونس، و امتدت باتجاه مصر في فترة قصيرة فقد سددت الجماهير العربية بذلك ضربة قوية لجميع هذه الأنظمة وأصبحت جميعها تترنح تحت تهديد الاحتجاج الشعبي وأصبح كل منها يدرك أنه يواجه مصيرا مشابها.
وهنا تستلزم الأشارة بأن هناك لاعبا مهما في المنطقة العربية (إلى جانب الأنظمة) وهو الإمبريالية و أدواتها، التي تعاملت مع الواقع العربي الجديد بتطويعه للحفاظ على مكتسبات القوى المهيمنة على الأنظمة العربية، ما اقتضى البحث عن الطريقة التي يستمر بها الإرتهان لهذه الهيمنة، مما خلق "الثورة المضادة".
ويمكن تعريف الثورة المضادة ببساطة بأنها تطويع حركة الاحتجاجات العربية وإزاحة الأزمة في الوعي العربي من مراكزها ومحركاتها الحقيقية (حزمة الأزمات الداخلية والخارجية) نحو بعض العناوين الجانبية التي قد تبدو كبيرة ولكنها في الحقيقة بعيدة كل البعد عن جذر المشكلة، ومن الأمثله عليها: تشخيص المشكلة في مصر بشخص حسني مبارك أو زين العابدين في تونس، أو التحدث عن الحريات و تمثلها في صناديق الإقتراع والابتعاد تماما عن فكرة الاستقلال الإقتصادي وأزمة صندوق النقد الدولي أو معاهدات السلام مع العدو الصهيوني أو الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية... الخ. و استطاعت هذه القوى خلق الإزاحة بسبب ضعف القوى الوطنية وضعف تأثيرها في الشارع العربي مما نزع عن حركة الاحتجاجات بعد التحرر الوطني، وهو الذي كان السمة الرئيسية لها في البداية.
نحن نتحدث عن بوادر ثورة تحرر حقيقية في الشارع العربي، و نتحدث في الوقت نفسه عن ثورة مضادة تحركها مطابخ الإستخبارات الدولية ووكلائها المحليين. و كل من الثورة و الثورة المضادة تحمل مشروعان متضادان تماما كل منهما ينفي الآخر، فمشروع التحرر العربي يواجه مشروع الثورة المضادة الذي يتمثل في ما يسمى بـ "شرق أوسط جديد" تتم فيه إعادة ترتيب الأوراق بما يتناسب مع أمن الكيان الصهيوني وتأمين مصالح الولايات المتحدة في المنطقة لدعم مشروعها الكوني في السيطرة على العالم.
أما من ستكون له القدرة على الصمود؟ و من سيكون له القدرة على التأثير على الشارع أكثر؟ هنا نتحدث عن احتمالات مفتوحة و ستكون الإجابة لهذه الاسئلة مفتوحة للأيام المقبلة..

Thursday, May 12, 2011

أردن منزوع "الهوية" ـ

لفهم ملابسات انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي يجب النظر ببساطة الى القوى السياسية و الأحداث و طبيعة المتغيرات في المنطقة...

بالنسبة لشبكة العلاقات السياسية في المنطقة فيمكن اختصارها كالاتي:

- ما يسمى بتيار الاعتدال العربي:السعودية (و باقي دول الخليج) – مصر – الأردن، و هو التيار المرتهن تماما للادارة الأمريكية، وهو إما متحالف مع الكيان الصهيوني بشكل علني أو من تحت الطاولة.

- تيار الممانعة: ايران – سوريا – حماس – حزب الله – القوى الشعبية (قومية و يسارية واسلامية ووطنية)، و هو التيار الذي يحاول البحث عن استقلال حقيقي عن التبعية لأمريكا و الكيان الصهيوني.

- تركيا الطامحة لدور اقليمي (كمركز سني) متحالف مع امريكا و الكيان الصهيوني من جهة، وتتحدث من جهة أخرى عن "تحرر" و عن دعمها لحق الشعب العربي في الحرية مع بعض البهارات (انتقادات للكيان الصهيوني و رحلات بحرية الى غزة .. الخ)

و يمكن التحدث عن المتغيرات الأساسية في النقاط التالية:

- الانتفاضة الشعبية في مصر و التغير في رأس السلطة و ما سيصاحبه من تغير في الأداء السياسي و ربما دور مصري جديد في المنطقه

- ما يسمى بالمصالحة الفلسطينية و أثرها على المنطقة

- الأحداث في سوريا

و كما نعرف جميعا، فهناك مخطط أمريكي قديم (متجدد) يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد"، و هو ما بشرت به رايس من قلب بيروت أثناء دك الطائرات الصهيونية للشوارع و البلدات اللبنانية، و لكن الصمود البطولي لحزب الله أفشل ذلك المخطط وقتها، مما استدعى تجديد هذا المخطط تبعا للظروف و المتغيرات، فقد أدى انتصار المقاومة اللبنانية المجيدة و صمود المقاومة الفلسطينية (حماس) ما بعد العدوان الصهيوني على غزة (وما بعد مؤامرة السلطة الفلسطينية عليها) الى اضطرار الادارة الأمريكية للبحث عن بدائل لمواجهة تزايد قوة و تأثير تيار الممانعة في المنطقه الذي توج بنزع الحريري عن رئاسة الوزراء في لبنان، و هو ما استدعى للبحث عن حليف قديم – جديد للعب دور جديد في المنطقة (تركيا).

و في عصر ما بعد الانتفاضة الشعبية في مصر، و البحث عن دور سياسي حقيقي لمصر، و في سياق القلق التركي من هذا الدور، و الذي ربما سيؤدي الى خلق بؤرة للتحرر العربي (خصوصا ان تحالف مع تيار الممانعة) مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب السياسية التي يقوم بها المجلس العسكري الحالي في مصر للبحث عن دوره الإقليمي (تمرير البوارج الايرانيه، الضغط على السلطة الفلسطينية و حماس من أجل المصالحة، تفجير انابيب الغاز لوقف التصدير لاسرائيل ... و حتى التفاوض مع دبلوماسيين اسرائيليين ... الخ)، الذي يجبر الادارة الامريكية على البحث عن بدائل.

أما الأحداث في سوريا (بغض النظر عن الموقف منها) .. و لكن، اضعاف النظام السوري يؤدي بالضرورة الى اضعاف تيار الممانعة مما يضع على الطاوله خيار تعزيز دور الحليف الرئيسي للولايات المتحدة (السعودية)، و خلق قطب جديد في المنطقة ليلعب دورا في اعادة ترتيب المنطقة و تمرير ما يسمى بـ "الشرق أوسط الجديد"، و في الحقيقة لا يمكن انكار الدور السعودي كوكيل للولايات المتحدة في المنطقة، و لا يمكن انكار أولوية اسرائيل كصمام أمان أمني لمصالح العم سام في بلادنا...

طبعا على تركيا ان تحدد خياراتها في هذا السياق، إما الذهاب بعيدا و البحث عن تحالف اقليمي مع تيار الممانعة و القوى الجديدة الصاعدة (مصر)، أو البقاء على مسافة واحدة مع الجميع و بحث الخيارات الأمريكية (القديمة الجديدة) لها، و هو ربما ما يحدث الان بالنظر الى الموقف التركي من احداث سوريا، و هنا المسألة تعتمد على الرهان السياسي على الخيارات القابله للصمود و الخيارات القابلة للهزيمة. خصوصا مع المصالحة الفلسطينية التي ربما ستخرج حماس من دائرة الممانعة العربية ... طبعا الجميع ينتظر تطور الأحداث على أكثر من صعيد، و الجميع وضع نفسه في منطقة الرهان السياسي نفسها للحفاظ على خط الرجعة و فتح الأفق أمامه على حسب النتائج المختلفه للوضع السياسي.

و بالتالي، فإن التحركات لخلق دور اقليمي لمجلس التعاون الخليجي في مواجهة ايران في هذه اللحظة السياسية هو بالضرورة من أجل اضعاف تيار الممانعة لتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، بحيث يكون لاسرائيل الدور العسكري و السياسي الرئيسي (للحفاظ على أمنها)، و ذلك يعني بالضرورة تمكين اسرائيل من حل القضية الفلسطينية من خلال مشروعها المعلن (مشروع الكونفدرالية)، و تحويل المحيط العربي الى كيانات هشه غير قادرة على أخذ زمام المبادرة و القرار السياسي.

و لذلك نقول أن من يحلم ببناء دول ديموقراطية ذات سيادة حقيقية خارج اطار الممانعة هو واهم، لأن المطروح هو الانبطاح للمشروع الأمريكي تماما، و بالتالي أية طموحات لأي مشروع خارج هذا السياق هو وهم أو عمالة.

أردنيا، الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني بالضرورة الهرب من استحقاقات الاصلاح السياسي و الاقتصادي الحقيقية، و التأكيد على الخيارات الأمريكية، و لكنها هذه المرة تهدد الوجود الأردني نفسه، فمشروع الكونفدرالية يعني انتهاء مشروع الدولة لصالح الارتهان الكامل للمشرووع الامريكي ... وذلك من خلال رمي الهوية التاريخية للدولة بعرض الحائط، و فتح الأردن مرة أخرى لخيار المساعدات الخارجية.

و عليه، فإن الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني التحرك في اتجاه اضعاف تيار الممانعة، وبالتالي تقوية الخيار الامريكي – الصهيوني، و هو ما سيفتح الباب و سيسهل تمرير المشاريع الصهيونية في المنطقة بلا "ممانعة" ... أي الذهاب مباشرة نحو الكونفدرالية

Saturday, January 22, 2011

هؤلاء .. و هؤلاء ... و هؤلاء


(انطباعات مقتضبه عن مظاهرة الإحتجاج في عمّان-الأردن، بتاريخ 22 كانون الثاني 2011)
يوم الغضب الثاني

هؤلاء..

أطفال ... من جمعية أيتام في إحدى المناطق الفقيرة في عمّان ... انضموا لحركة الإحتجاج في الأردن ....
قرروا عدم الالتحاق بأي من التجمعات "السياسية" في المظاهرة ....
هكذا كانوا ... وحدهم ... احتجوا ... هتفوا أجمل الهتافات ... و أكثرها شجاعة ... و أكثرها وضوحا بالرؤيه السياسية ...
قرر البعض الانضمام لهم ... و كنت أنا احدهم ...

هناك من يبحث عن "حامل شعبي" ... و "تبلور مشروع سياسي" .... مما قادني للتساؤل ... هل كان هناك مكتب سياسي وراء قرار البوعزيزي مثلا؟؟؟


***********


و هؤلاء..

قادمون من اليسار ... رايات بيضاء ... بأقنعة حمراء


***********
و هؤلاء..




قادمون من اليمين ...
التاريخ يعيد نفسه ... انه لتاريخ ممل !!!!
ما الذي يحدث خلف الأبواب المغلقه ؟


Wednesday, August 18, 2010

إدراك .. ملتبس

1)
اركض في ذلك النفق الاسطواني .. وقع الحديد تحت اقدامي يتحول لإيقاع مسل .. على نحو مريض ..
افقد احساسي بالجاذبيه .. أركض .. رأسا على عقب ..
أركض .. بسرعةٍ أكبر ... أحاول تذكر الأغنيه .. لذلك الإيقاع المريض ..
اقترب من الفوهة .. و لسببٍ ما .. يتولد لدي شعور ما بالتهديد ..
أركض .. بسرعة أكبر .. فوهة النفق تزداد حجما ..
على طرف الفوهة الفولاذية ... أفقز الى الأمام ..
اندم .. ينزل ذلك الندم بثقله على صدري ..
لماذا فقزت إلى الأمام ؟؟!!! ..
كان عليّ أن أقفز إلى أسفل .. أو ربما إلى أعلى ..
تتزايد الحرارة خلفي .. أسمع الحفيف الخفي لذلك الخطر المقترب من الخلف ..
أدرك الآن ... أن كاتم الصوت لم يسعفني .. حتى و إن كسبت المزيد من الخطوات داخله ... أنا في الهواء الآن ..
أحاول تذكر تلك الأغنيه .. لذلك الإيقاع المريض ..
ينقبض قلبي .. و أدرك .. عدم موائمة الفكرة ..
أشعر بتلك الطلقه ... تخترق أسفل عظمة في عمودي الفقري ... ـ
***
أستيقظ فجأة ... أنظر حولي ... ساعة الحائط تشير الى المزيد من الوقت للنوم ... أحاول تذكر تلك الأغنيه .. ولكن ... أي أغنيه ؟؟
أدرك ... انه حلم آخر .. قد تلاشى ... و استسلم للنوم مجددا ..ـ
***
2)
يقف الجميع بتثاقل ... لاستقبال القضاة في قاعة المحكمة ..
انظر حولي .. ثم ... أقرر الوقوف أنا أيضا ...
أدرك .. أن جميع من في القاعة قد جلس .. باستثائي ..
أجلس .. أتابع ما يحدث باهتمام .. لمعرفة حيثيات القضية، فالتهمة أن أحدهم صرّح  بشيء ما ... و كان هذا التصريح ... "مزعجا" ..
يضيف القاضي أوراقا الى ملف القضية ... و يهمس بإذن مستشاره ... و بلا اكتراث .. يقرر تأجيل الجلسة .. لموعد آخر ..
***
3)
يحدث معي كثيرا .. أن أجد نفسي هكذا ... محاصرا بين قلم و بعض الأوراق ..
أفرغ هوسا ما .. أهرب من سلطان اللغة ... و أتساءل ... إن كان ذلك مجديا ..
اتلصص على عدد قليل جدا من القراء .. و منهم أنت ..
لا لسبب .. إلّا لإنهاء ما أفعله الآن ..
لألفظ هذه الأوراق بعيدا .. و انتهي .. كما هي العادة ... محاصر .. بين أوراقي .. و بين حلم ما ... في انتظار أن استيقظ مرة أخرى ..
فراس محادين
عمّان في 18\8\2010

Saturday, April 03, 2010

التطبيع .... التطبيع الثقافي




هو التعامل "الطبيعي" على كل المستويات مع أي شخص أو جهة أو مؤسسه عامة أو خاصة تمثل الكيان الصهيوني في أي مكان في العالم ....

و التطبيع يحمل مفاهيم خاصة داخل الأراضي العربيه ... باعتبار الكيان الصهيوني عدو واضح و مباشر و محتل لجزء من أرضه .... و لمن يعتبر الوطن العربي ليس جزءا من مشروعه ... فالكيان الصهيوني عدو مباشر لكل الدول العربيه بغض النظر عن الموقف "القومي" ...

و في حالة مصر خصوصا ... فالكيان الصهيوني ليس عدو مباشر لأسباب تاريخية فقط ... بل لأسباب آنية (حاليّة تتعلق باللحظة الراهنة) حيث أن الصهاينة يشكلون ضررا مباشرا على مصر و الشعب المصري على أكثر من صعيد (سياسي و اقتصادي و حتى اجتماعي) من قضايا الغاز الى سيناء الى الجواسيس الذين يتم اكتشافهم بشكل متكرر حتى يومنا هذا ...

و بالتالي الاصرار على مجابهة التطبيع هو عمل وطني أولا لحماية الدول العربية و واجب على كل مصري لحماية مصر... و قومي على كل عربي لحماية المشروع القومي ... وواجب على كل انسان للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للجرائم يوميا


***


المقاطعة و مجابهة التطبيع تعتبر ابسط وسيلة للتعبير عن رفض الوجود الصهيوني على مستويات متعددة:

- رفض الوجود الصهيوني أساسا على أرض فلسطين المحتله منذ عام 1948 ... و رفض انشاء الكيان الغير شرعي المسمى بـ "اسرائيل" ... و ذلك بناء على القرارات الغير شرعيه مثل قرار التقسيم المتبنى من قبل الأمم المتحدة بشكل غير شرعي و على انقاض الحرب العالمية الثانيه لتحقيق مصالح الدول الاستعماريه و التي كسبت الحرب العالمية آنذاك ..

- رفض الوجود الصهيوني على الأراضي التي قام الكيان الصهيوني باحتلالها عام 67 و التي لم تحصل حتى الآن على غطاء "الشرعيه الدولية" بقرارات الأمم المتحدة... و رفض كل اشكال الاحتلال و الاستيطان و تشريد الشعب الفلسطيني...

- رفض الجرائم اليومية التي يقوم بها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة و غير المحتله (مثل غزة) ... و رفض كل أشكال الاستيطان المرفوضة حتى دوليا ..

- رفض جدار الفصل و الضم العنصري الذي يقيمه الاحتلال على أراضي فلسطين و الذي يشكل كارثه يوميه على السكان في الداخل الفلسطيني كما يشكل خطر استراتيجي على مستقبل الفلسطينيين و يوضح المخططات الصهيونيه في تقسيم فلسطين لمناطق صغيرة و متناثرة لا تصلح لحياة "شعب"، مما يسهل الغاية الكبرى للمشروع الصهيوني و هو احتلال كامل التراب الفلسطيني. و يجدر بالذكر هنا أن محكمة العدل الدولية و التي تعتبر إحدى أهم وسائل ما يسمى بـ "الشرعيه الدوليه" قامت باصدار قرار يدين وجود الجدار و يطالب باسقاطه.

- رفض جرائم الحرب اليومية و التاريخية التي قام و يقوم بها الكيان الصهيوني منذ تأسيسه الغير شرعي و حتى هذه اللحظة بقتل الأطفال و المجازر الجماعيه و قتل المدنيين و أشكال الارهاب المختلفه التي يستخدم فيها هذا الكيان أقوى الأسلحة التي يحصل عليها من حلفائه الاستراتيجيين ....

- رفض التهديد الدائم الذي تشكله "اسرائيل" على استقرار و سيادة الدول المحيطه بها في المنطقة، من خلال تملّكها لترسانة نووية .... و رفضها التام (بالاضافه لرفض "المجتمع الدولي") لأية دولة أخرى في المنطقة لحيازة أسلحة من هذا النوع لتحقيق ما يسمى بـ "توازن الرعب" ... مما يؤدي الى جعل الكيان الصهيوني القوة الوحيدة المهيمنه في المنطقة و سيادة رأيه في أي مسأله متعلقة بالأمن أو السياسه في شؤون المنطقة...

و بالاضافة الى ذلك، سرقة الغاز (بالنسبة لمصر) و الماء (بالنسبة للأردن و سوريا و لبنان) و الثروات الطبيعيه الأخرى و الأراضي .... و الاتفاقيات التجارية و الصناعية الأخرى التي تجعل الدول المحيطة بالكيان الصهيوني مجرد مجمعات صناعيه و أسواق تجاريه لخدمة المشروع الصهيوني نفسه. دون أن تسمح بأي مشاريع تنموية و ديموقراطية لتحقيق الدولة الحديثة من خلال دعم "اسرائيل" و حلفاؤها الاستراتيجيون للأنظمة الحالية و التي تقوم بمنع هذه المشاريع منذ أكثر من 30 عاما. و بالطبع يجب ذكر شبكات التجسس التي يتم كشفها بين الحين و الآخر و التي تشكل تهديدا مباشرا على أمن الدول العربيه.

إذن ... رفض التعامل الطبيعي مع أي شخص أو جهة أو مؤسسه تمثل الكيان الصهيوني هو تعبير بسيط عن رفض (أحد أو كل) ما ذكر أعلاه .... و التعامل الطبيعي مع الكيان الصهيوني يعبّر عن قبول الوجود الصهيوني، و بالتالي قبول "شرعيته" و بالتالي قبول ممارساته و قبول تأثير هذه الممارسات منذ التأسيس و حتى يومنا هذا ...

***


من الحق الطبيعي لأي شعب أو أمّة تعرضت للإحتلال و الظلم بالمقاومة، و تتعدد أشكال هذه المقاومة ... من المقاومة المسلحة (باستخدام العنف) الى المقاومة السلمية (اللا عنف) ... و هناك بعض العناصر الشعبيه في أي أمه أو شعب تقوم بالتزام موقف سلبي أو حتى عميل من هذا الاحتلال أو الظلم عموما ....

و هناك تجارب في التاريخ اثبتت نجاح المقاومة السلمية (مثل غاندي في الهند) ... أو حركات التحرر الوطني السلمية عموما .... أما في حالة الكيان الصهيوني ... فقد أثبت أن اللغة الوحيدة التي يفهمها هي لغة القوة ... و ذلك بالدليل اليومي القاطع بمتابعة ممارساته المجرمة بشكل يومي في فلسطين ...

و على كل الأحوال ... لم تستطع الشعوب العربية بسبب تخاذل الانظمة في التعامل مع القضية الفلسطينية و بسبب سياسات القمع التي تمارسها على المواطنين الا بتبني شكل المقاومة السلمية ... و الدليل على ذلك الوجدان الشعبي العربي الذي يجمع على مقاطعة اسرائيل ....

و في الحقيقة فإن تبني خيار المقاومة السلمية الذي اتخذته الشعوب العربيه يمكن اعتباره خيارا شعبيا بامتياز ... و هو الخيار الوحيد الممكن في هذه اللحظة أمام هذه الشعوب ... خصوصا في مواجهة حالة التخاذل و التناثر التي يعيشها الوطن العربي .....

أما الدعم الشعبي لمشروع المقاومة عموما .... فيمكن الرجوع الى الشعوب نفسها .... و اكتشاف الدلائل التي تؤشر على اجماع شعبي كامل على فكرة المقاومة للعدو الصهيوني بكل اشكال هذه المقاومة.

و في هذا الاطار يمكن وضع مجابهة التطبيع و المقاطعة مع العدو الصهيوني كأحد الأشكال (إن لم يكن ابسطها) لمقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين و المنطقة. و في هذا الاطار أيضا يمكن وضع أي شكل من التطبيع كعمالة مباشرة للمشروع الصهيوني ....

***


عبر التاريخ و الحضارات جميعا ... كان المنتَج الثقافي لأي أمّة أو حضارة أو شعب، ما هو إلا تعبير عن هموم ومشاكل و أحلام و طموحات هذه الشعوب ... بالاضامة لطموحات (المثقفين) في مستقبل أفضل لهذه الشعوب .... أو حتى للإنسانية ....

و لا يمكن فصل مشروع (المثقف - المنتِج)عن مشروع أمته أو شعبه أو حضارته أو عن طموحات المشروع الانساني عموما ....

و في هذا السياق، لا يمكن القبول بأن يقوم أي من هؤلاء (المثقفين) بانتاج أي خطاب يتعارض مع طموحات و آمال و أحلام شعوبهم ... خصوصا عندما يكون هذا الخطاب يصب في مصلحة العدو بشكل مباشر .... و في حالة العدو الصهيوني ... عندما يقرر المثقفين العرب التطبيع مع العدو الصهيوني فإن ذلك يعني دعما كاملا و مباشرا للمشروع الصهيوني، حيث أن هذا التطبيع يعني بشكل مباشر "قبول" الوجود الصهيوني، أي قبول الدولة الصهيونيه، أي قبول احتلال فلسطين، و هذا القبول في هذه اللحظة يعني مباشرة قبولا للممارسات و الجرائم اليومية التي يرتكبها هذا العدو ...

و لذا فإن المقاطعة و مجابهة التطبيع هو واجب إنساني لأي مثقف وواجب وطني و قومي للمثقفين في الوطن العربي ... حيث أن الكيان الصهيوني هو العدو المباشر للدول العربيه و هو الذي يهدد استقرار و نمو المنطقة ... سواء على مستوى الدول أو على مستوى الوطن العربي ككل ...

عندما يقرر أي من المثقفين التطبيع مع العدو الصهيوني تحت أي مسمى (حتى لو كان فهم الآخر ... أو المواجهة ... أو العماله بشكل علني) ... فهو ... و في كل هذه الحالات ... يعزز شرعية وجود الكيان الصهيوني ... مما يسهم في آلة القتل اليومية التي تشرد و تقتل الشعب الفلسطيني يوميا .... و تسرق أرض هذا الشعب ... بالاضافة الى سرقة الصهاينة لمقدرات و ثروات الدول المجاورة ... و انتزاع سيادتها أيضا ..

Friday, December 25, 2009

الساعة الثامنة صباحا


في الساعة الثامنة صباحا ... وصل الى موقف الباص .... كعادته ...

و كعادته أيضا ... في الصباحات الباردة ... حمل ذلك المعطف الثقيل على جسده ...

وجد بقعة من الشمس .. قرر التوقف فيها .... و لكن ...

إحدى الفتيات تقف في نفس البقعه ..

"أين سأقف؟" .. فكّر ...

"تلك الفتاة جميلة فعلا ... لم أرها من قبل" ... فكّر أيضا ...

هو ... يجب أن يقرر البقعة التي سينتظر فيها وصول الباص ...

هل سيقف خلف الفتاة.... ربما تظن أنه سيقوم بمعاكستها .... تردد ... ثم ... قرر أن يقف أمامها .... و هكذا كان ....

وقف بمعطفه الثقيل ... يراقب بدقه الأجساد الحديدية الضخمة التي تمر أمامه في الشارع ... بانتظار الباص المعهود ....

"هذا الصباح أكثر برودا من المتوقع" ... فكّر ... ثم شعر بالسعادة لايجاده بقعة الشمس تلك للتوقف فيها .... ابتسم ... ثم ....

تلك الفتاة خلفه ... فكّر ... كانت الفتاة جميلة حقا ... اراد النظر خلفه ... تردد .... نظر خلسة .... اراد النظر مجددا ... و لكن .... ربما سيعرف الموجودين في موقف الباص بأنه وحيد .... لم يرد ذلك .... ربما خجلا منهم .. و ربما خجلا من نفسه ... لأنه فعلا ... وحيد ...

قرر عدم النظر خلفه ... تمالك نفسه ... ثم ....

وصل الباص المنتظر .... صعد مباشرة ... و جلس على أحد الكراسي في مقدمة الباص ...

مشى الباص ببطء في شوارع المدينه ....

هو ... ظل طوال الطريق يفكر للتوصل لطرق مختلفه ليبرر النظر خلفه نحو تلك الفتاة .. كان يعرف أنها تجلس في الخلف .. فقد رآها و هي تصعد خلفه في نفس الحافله ... كان سعيدا بذلك ...و شعر بالحزن في نفس الوقت ... فقد تذكّر أنه وحيد الآن ...

مرةَ ... نظر خلسه ..

و مرة أخرى ... و هو ينظر من الشباك ... لحق بنظره حافلة أخرى .. و كأنه مهتم فعلا بتلك الحافله ... كان في الحقيقة يبحث عن مبرر كي ينظر نحو تلك الفتاة ...

و في مرة ثالثه ... بحث عن شيء ما في جيوب المعطف ... كان متأكدا تماما أن جيوبه خاليه .. و لكن ... كان ذلك يسهل عليه مهمة النظر نحو الفتاة دون أن يكون ذلك مكشوفا ...

لم يكن يعرف لماذا ... لم يكن يريد أي شيء سوى النظر إليها ... ربما شعر في تلك اللحظه باهتمام نحو شخص ما .... كان ذلك يكفيه ... ليعبر صباحه البارد ...

وصل الى محطة النزول ....

هو ... سيبدأ يومه المعتاد في العمل ...

* * *

في الساعة الثامنه صباحا .... كانت تقف في بقعة الشمس على موقف الباص ...

و لسبب ما ... كانت تشعر بالحيويه في ذلك الصباح ...

"أنا متأكدة أن الوشاح القرمزي يبدوا جيدا على المعطف الأبيض" ... قالت لنفسها .... كانت سعيدة بتلك الفكرة ... لم تكن متكلفه في ملابسها .... ولكن كانت أنيقة ..

جاء شاب بمعطف رمادي ووقف أمامها في المحطة ... لم تلاحظه في البدء ... فقد كانت تفكر في اللقاء مع أصدقائها بعد العمل .... تمنت أن يكون الجو مناسبا بعد الظهر ... سيكون من الجيد اللقاء في مكان مفتوح ...

هي ... تحب الأماكن المفتوحه ...

نظرت نحو الشارع ... في انتظار الباص ... لاحظت الشاب ذو المعطف الرمادي الواقف أمامها ... كان تركيزها منصبا في تلك اللحظه على ياقة المعطف لذلك الشاب .... كانت الياقة تحتاج الى تعديل من الخلف .... تمنت لو تستطيع تعديلها .... داعبتها الفكرة ... ابتسمت ...

"لا بد أنه وحيد" ... هكذا فكرت ...

هناك بعض الأشياء التي يمكن أن تشي بالتفاصيل الخاصة بحياتنا، كحكاية الياقة تلك. و بالفعل، لو لم يكن صاحبنا وحيدا، لكان هناك من يعدل لهذا الشاب ياقته من الخلف قبل أن ينزل. و الحقيقه المؤكده، أنك لا تستطيع أن ترى ياقتك من الخلف لو نظرت بالمرآة. و المؤكد أيضا، أن هذا النوع من التفاصيل يجذب دائما المرأة للتدقيق فيه .. لربما هو ما يسمونه "حاسة المرأة السادسة". و في قصتنا هذه، سيكون تأثير حكاية الحاسه السادسة للمرأة أكبر بكثير على صاحبنا الخائف من وحدته لهذه الدرجه ...

و على كل الأحوال ... وصل الباص ... و صعدت هي ...

في الباص ... جلست بجانب الشباك...

نظرت نحو الأبنيه و الحافلات و السائرين على الأقدام... فكرت بالكثير من الأشياء ... تذكرت الكتاب الذي كانت تقرأه قبل أن تنام ... وضعت يدها على حقيبتها .... و تأكدت من أنها ما تزال تحمله ... شعرت بالارتياح ... فربما يمكن أن تسرق القليل من الوقت للقراءة أثناء العمل .... هو عمل ممل على كل الأحوال ... و لا ضير من بعض القراءة ...

هي ... كانت تكره الكلمات المتقاطعه ... و كانت تكره أكثر من يقومون بالتسليه بها أثناء العمل ...

هي ... تكره الأشياء المكررة و النمطيه ..

ذلك الشاب ما زال في الباص يجلس أمامها ...و ما زالت ياقته بحاجه إلى تعديل ...

كان يلتفت يمينا و شمالا ... أصبح لديها بعض الفضول لتعرف شكله ... فهي لم تره إلا من الخلف ... كم تمنت أن ينظر ناحيتها.

الغريب هنا، أن صديقنا الذي كان يبذل الكثير من المجهود لينظر نحو الفتاة ... كان يبذل مجهودا أكبر كي لا ينبه أحد اليه.. مما منع الفتاة من رؤيته ...

عادت صديقتنا للتفكير بكتابها .. و فكرت أيضا بأول شيء ستقوم به عندما تصل للعمل ... كان لديها رغبه مفاجئه لشرب الشاي بالنعناع ....

لم تكن تشرب الشاي أصلا ... نظرت نحو صديقنا مجددا ... و فجأة ... توقف الباص .. نزل صديقنا مسرعا ... لحقته بنظرها ... لم تتمكن من رؤيته بوضوح ... فكرّت .. ربما سأراه على نفس الموقف مجددا....


فراس محادين

القاهرة – في 25 كانون الأول 2009


Monday, August 10, 2009

عامٌ على عام الغياب

(في ذكرى مرور عام على رحيل درويش)



لملمتَ أوراقنا ... و تركتَ الحصان وحيدا ..

بعد عام ...

انتظرنا طروادتكَ الحزينة ..
سمعنا صوتَ تلك الأغنية ..
سواء اعتذرت .. أم لم تعتذر ..

بعد عام ..
ما يزالُ سيف المهلهلِ يصدح من بعيد ..

بعد عام ..
تلفٌّ الساعات و الدقائق و الثواني بعكس التيّار ..

بعد عام ...
لم ينفض أحد التراب عن الأغلفه ...

***

كالنهايات الغير متوقعه..
كجرف صخري خلف شاطئ خفي ..
رحلت َ مرةً أخرى ... للشتاتِ الأخير ..

بعد عام ..
انتظِرنا ... و لا تنظر خلفكَ ..
هناك ... طروادة ليست حزينة ..
هناك .. طروادة ليست برسم البيع ..

***

استقبلنا صباحا آخر ... و آخر .. ثم آخر ..

بعد عام ..
ترحل الشمس مرة أخرى ...
و تأخذ معها العقارب و ما تبقى من الزمن ..

بعد عام ..
بعد عامٍ على عام الغياب ..

هدأ صوت البندقية ..
همست بعض السطور هنا و هناك ..

بعد عام ...
ما تزال طروادتك حزينة ..
و نحن ... ننتظر الأمس ...
ليأتي بك مرة أخرى ... هناك ..


فراس محادين
القاهرة – 10 \ 8 \ 2009

Saturday, June 27, 2009

ما بعد صباح ماطر



كم من المحزن ... الاحتفال بميلاد شخص ميت ...!!

حمل فكرته تلك ... و هم بالرحيل ...
استأذن الجميع ... و مضى في طريقه ..

شوارع خالية ... شتاء المدينة حزين هذه السنة !!
شعر بثقل في صدره .. و بشكل لا إرادي ... ظهرت ابتسامة غريبة على وجهه ....

لن يعود الشتاء كما كان .. بعد الآن .. !!

تذكر فجأة أنه بمشي بلا وجهة .... اختفت تلك الابتسامة ...

وبدأ يذكر ما حصل على تلك الطاولة .. قبل دقائق قليلة فقط ...

"شتاء المدينة حزين هذه السنة" ... قالت إحداهن ... بفستانها الأسود ... و كأس صغير في يدها ...

شربت الكأس حتى آخره ...
و شرب الجميع ... كان الكل يلبس الأسود ... إلا هو ..

كان الحزن يتلفح وجه الجميع .. حتى بعد ذلك الكأس ..


رأى طفلان يلعبان ببركة صغيرة من الماء و الطين ... من بقايا صباح ماطر ...

تساءل عن المتعة في ذلك ...

تذكر ... أنه في عامه الخمسين ..
و أنه الآن .. لن يفهم ..

تذكر ما حصل معه على تلك الطاولة ... قبل دقائق قليلة فقط...

كان المكان قد تغير تماما ... لم يتبقى إلا بعض الطاولات ... و ذلك البار القديم ...

على تلك الطاولة .. كانوا الزبائن الوحيدين .. ظهيرة ذلك اليوم ..

كان المكان ساكنا تماما ... و كذلك كانت تلك المجموعة ...

كان الصمت خانقا ..

رفعت أخرى كأسها ... و قالت ... "لن يعود الشتاء كما كان ... بعد الآن" ..

شربت الكأس حتى آخره ...
و شرب الجميع ... كان الكل يلبس الأسود ... إلا هو ...

كان الحزن يتلفح وجه الجميع .... حتى بعد ذلك الكأس ..

في الشوارع الحزينة بشتائها ...
مر بجانب تلك الحديقة ... بالأراجيح الفارغة ... و الأشكال الهندسية الغريبه بأعمدتها الحديدية الملونه ...

تغير لونها و أصبحت باهته ...

تذكر أنه كان يتسلقها في طقولته ..
تساءل عن المتعة في ذلك ...

تذكر أنه في عامه الخمسين ..
و أنه الآن ... لن يفهم ...

تذكر ... ما حصل معه على تلك الطاولة ... قبل دقائق قليلة فقط ...

اختبئت الشمس وراء غيوم ذلك الشتاء ... كانت بالكاد تضيء المكان ..
بجدرانه الصفراء ... الباهته ..

رأى انعكاسه في المرايا الكثيرة في ذلك المكان ...

كان شكله متطابقا تماما في كل هذه المرايا ...
رأى شعره الأبيض ...

كان الكل يلبس الأسود .. إلا هو ....

رفع كأسه أمامه ... و قال ...

"كم من المحزن الاحتفال بميلاد شخص ميت" ...

شرب الكأس حتى آخره ... و شرب الجميع ..

حمل فكرته تلك ... و هم بالرحيل ..


فراس محادين – القاهرة في 26\6\2009