Saturday, January 22, 2011

هؤلاء .. و هؤلاء ... و هؤلاء


(انطباعات مقتضبه عن مظاهرة الإحتجاج في عمّان-الأردن، بتاريخ 22 كانون الثاني 2011)
يوم الغضب الثاني

هؤلاء..

أطفال ... من جمعية أيتام في إحدى المناطق الفقيرة في عمّان ... انضموا لحركة الإحتجاج في الأردن ....
قرروا عدم الالتحاق بأي من التجمعات "السياسية" في المظاهرة ....
هكذا كانوا ... وحدهم ... احتجوا ... هتفوا أجمل الهتافات ... و أكثرها شجاعة ... و أكثرها وضوحا بالرؤيه السياسية ...
قرر البعض الانضمام لهم ... و كنت أنا احدهم ...

هناك من يبحث عن "حامل شعبي" ... و "تبلور مشروع سياسي" .... مما قادني للتساؤل ... هل كان هناك مكتب سياسي وراء قرار البوعزيزي مثلا؟؟؟


***********


و هؤلاء..

قادمون من اليسار ... رايات بيضاء ... بأقنعة حمراء


***********
و هؤلاء..




قادمون من اليمين ...
التاريخ يعيد نفسه ... انه لتاريخ ممل !!!!
ما الذي يحدث خلف الأبواب المغلقه ؟


Wednesday, August 18, 2010

إدراك .. ملتبس

1)
اركض في ذلك النفق الاسطواني .. وقع الحديد تحت اقدامي يتحول لإيقاع مسل .. على نحو مريض ..
افقد احساسي بالجاذبيه .. أركض .. رأسا على عقب ..
أركض .. بسرعةٍ أكبر ... أحاول تذكر الأغنيه .. لذلك الإيقاع المريض ..
اقترب من الفوهة .. و لسببٍ ما .. يتولد لدي شعور ما بالتهديد ..
أركض .. بسرعة أكبر .. فوهة النفق تزداد حجما ..
على طرف الفوهة الفولاذية ... أفقز الى الأمام ..
اندم .. ينزل ذلك الندم بثقله على صدري ..
لماذا فقزت إلى الأمام ؟؟!!! ..
كان عليّ أن أقفز إلى أسفل .. أو ربما إلى أعلى ..
تتزايد الحرارة خلفي .. أسمع الحفيف الخفي لذلك الخطر المقترب من الخلف ..
أدرك الآن ... أن كاتم الصوت لم يسعفني .. حتى و إن كسبت المزيد من الخطوات داخله ... أنا في الهواء الآن ..
أحاول تذكر تلك الأغنيه .. لذلك الإيقاع المريض ..
ينقبض قلبي .. و أدرك .. عدم موائمة الفكرة ..
أشعر بتلك الطلقه ... تخترق أسفل عظمة في عمودي الفقري ... ـ
***
أستيقظ فجأة ... أنظر حولي ... ساعة الحائط تشير الى المزيد من الوقت للنوم ... أحاول تذكر تلك الأغنيه .. ولكن ... أي أغنيه ؟؟
أدرك ... انه حلم آخر .. قد تلاشى ... و استسلم للنوم مجددا ..ـ
***
2)
يقف الجميع بتثاقل ... لاستقبال القضاة في قاعة المحكمة ..
انظر حولي .. ثم ... أقرر الوقوف أنا أيضا ...
أدرك .. أن جميع من في القاعة قد جلس .. باستثائي ..
أجلس .. أتابع ما يحدث باهتمام .. لمعرفة حيثيات القضية، فالتهمة أن أحدهم صرّح  بشيء ما ... و كان هذا التصريح ... "مزعجا" ..
يضيف القاضي أوراقا الى ملف القضية ... و يهمس بإذن مستشاره ... و بلا اكتراث .. يقرر تأجيل الجلسة .. لموعد آخر ..
***
3)
يحدث معي كثيرا .. أن أجد نفسي هكذا ... محاصرا بين قلم و بعض الأوراق ..
أفرغ هوسا ما .. أهرب من سلطان اللغة ... و أتساءل ... إن كان ذلك مجديا ..
اتلصص على عدد قليل جدا من القراء .. و منهم أنت ..
لا لسبب .. إلّا لإنهاء ما أفعله الآن ..
لألفظ هذه الأوراق بعيدا .. و انتهي .. كما هي العادة ... محاصر .. بين أوراقي .. و بين حلم ما ... في انتظار أن استيقظ مرة أخرى ..
فراس محادين
عمّان في 18\8\2010

Saturday, April 03, 2010

التطبيع .... التطبيع الثقافي




هو التعامل "الطبيعي" على كل المستويات مع أي شخص أو جهة أو مؤسسه عامة أو خاصة تمثل الكيان الصهيوني في أي مكان في العالم ....

و التطبيع يحمل مفاهيم خاصة داخل الأراضي العربيه ... باعتبار الكيان الصهيوني عدو واضح و مباشر و محتل لجزء من أرضه .... و لمن يعتبر الوطن العربي ليس جزءا من مشروعه ... فالكيان الصهيوني عدو مباشر لكل الدول العربيه بغض النظر عن الموقف "القومي" ...

و في حالة مصر خصوصا ... فالكيان الصهيوني ليس عدو مباشر لأسباب تاريخية فقط ... بل لأسباب آنية (حاليّة تتعلق باللحظة الراهنة) حيث أن الصهاينة يشكلون ضررا مباشرا على مصر و الشعب المصري على أكثر من صعيد (سياسي و اقتصادي و حتى اجتماعي) من قضايا الغاز الى سيناء الى الجواسيس الذين يتم اكتشافهم بشكل متكرر حتى يومنا هذا ...

و بالتالي الاصرار على مجابهة التطبيع هو عمل وطني أولا لحماية الدول العربية و واجب على كل مصري لحماية مصر... و قومي على كل عربي لحماية المشروع القومي ... وواجب على كل انسان للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للجرائم يوميا


***


المقاطعة و مجابهة التطبيع تعتبر ابسط وسيلة للتعبير عن رفض الوجود الصهيوني على مستويات متعددة:

- رفض الوجود الصهيوني أساسا على أرض فلسطين المحتله منذ عام 1948 ... و رفض انشاء الكيان الغير شرعي المسمى بـ "اسرائيل" ... و ذلك بناء على القرارات الغير شرعيه مثل قرار التقسيم المتبنى من قبل الأمم المتحدة بشكل غير شرعي و على انقاض الحرب العالمية الثانيه لتحقيق مصالح الدول الاستعماريه و التي كسبت الحرب العالمية آنذاك ..

- رفض الوجود الصهيوني على الأراضي التي قام الكيان الصهيوني باحتلالها عام 67 و التي لم تحصل حتى الآن على غطاء "الشرعيه الدولية" بقرارات الأمم المتحدة... و رفض كل اشكال الاحتلال و الاستيطان و تشريد الشعب الفلسطيني...

- رفض الجرائم اليومية التي يقوم بها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة و غير المحتله (مثل غزة) ... و رفض كل أشكال الاستيطان المرفوضة حتى دوليا ..

- رفض جدار الفصل و الضم العنصري الذي يقيمه الاحتلال على أراضي فلسطين و الذي يشكل كارثه يوميه على السكان في الداخل الفلسطيني كما يشكل خطر استراتيجي على مستقبل الفلسطينيين و يوضح المخططات الصهيونيه في تقسيم فلسطين لمناطق صغيرة و متناثرة لا تصلح لحياة "شعب"، مما يسهل الغاية الكبرى للمشروع الصهيوني و هو احتلال كامل التراب الفلسطيني. و يجدر بالذكر هنا أن محكمة العدل الدولية و التي تعتبر إحدى أهم وسائل ما يسمى بـ "الشرعيه الدوليه" قامت باصدار قرار يدين وجود الجدار و يطالب باسقاطه.

- رفض جرائم الحرب اليومية و التاريخية التي قام و يقوم بها الكيان الصهيوني منذ تأسيسه الغير شرعي و حتى هذه اللحظة بقتل الأطفال و المجازر الجماعيه و قتل المدنيين و أشكال الارهاب المختلفه التي يستخدم فيها هذا الكيان أقوى الأسلحة التي يحصل عليها من حلفائه الاستراتيجيين ....

- رفض التهديد الدائم الذي تشكله "اسرائيل" على استقرار و سيادة الدول المحيطه بها في المنطقة، من خلال تملّكها لترسانة نووية .... و رفضها التام (بالاضافه لرفض "المجتمع الدولي") لأية دولة أخرى في المنطقة لحيازة أسلحة من هذا النوع لتحقيق ما يسمى بـ "توازن الرعب" ... مما يؤدي الى جعل الكيان الصهيوني القوة الوحيدة المهيمنه في المنطقة و سيادة رأيه في أي مسأله متعلقة بالأمن أو السياسه في شؤون المنطقة...

و بالاضافة الى ذلك، سرقة الغاز (بالنسبة لمصر) و الماء (بالنسبة للأردن و سوريا و لبنان) و الثروات الطبيعيه الأخرى و الأراضي .... و الاتفاقيات التجارية و الصناعية الأخرى التي تجعل الدول المحيطة بالكيان الصهيوني مجرد مجمعات صناعيه و أسواق تجاريه لخدمة المشروع الصهيوني نفسه. دون أن تسمح بأي مشاريع تنموية و ديموقراطية لتحقيق الدولة الحديثة من خلال دعم "اسرائيل" و حلفاؤها الاستراتيجيون للأنظمة الحالية و التي تقوم بمنع هذه المشاريع منذ أكثر من 30 عاما. و بالطبع يجب ذكر شبكات التجسس التي يتم كشفها بين الحين و الآخر و التي تشكل تهديدا مباشرا على أمن الدول العربيه.

إذن ... رفض التعامل الطبيعي مع أي شخص أو جهة أو مؤسسه تمثل الكيان الصهيوني هو تعبير بسيط عن رفض (أحد أو كل) ما ذكر أعلاه .... و التعامل الطبيعي مع الكيان الصهيوني يعبّر عن قبول الوجود الصهيوني، و بالتالي قبول "شرعيته" و بالتالي قبول ممارساته و قبول تأثير هذه الممارسات منذ التأسيس و حتى يومنا هذا ...

***


من الحق الطبيعي لأي شعب أو أمّة تعرضت للإحتلال و الظلم بالمقاومة، و تتعدد أشكال هذه المقاومة ... من المقاومة المسلحة (باستخدام العنف) الى المقاومة السلمية (اللا عنف) ... و هناك بعض العناصر الشعبيه في أي أمه أو شعب تقوم بالتزام موقف سلبي أو حتى عميل من هذا الاحتلال أو الظلم عموما ....

و هناك تجارب في التاريخ اثبتت نجاح المقاومة السلمية (مثل غاندي في الهند) ... أو حركات التحرر الوطني السلمية عموما .... أما في حالة الكيان الصهيوني ... فقد أثبت أن اللغة الوحيدة التي يفهمها هي لغة القوة ... و ذلك بالدليل اليومي القاطع بمتابعة ممارساته المجرمة بشكل يومي في فلسطين ...

و على كل الأحوال ... لم تستطع الشعوب العربية بسبب تخاذل الانظمة في التعامل مع القضية الفلسطينية و بسبب سياسات القمع التي تمارسها على المواطنين الا بتبني شكل المقاومة السلمية ... و الدليل على ذلك الوجدان الشعبي العربي الذي يجمع على مقاطعة اسرائيل ....

و في الحقيقة فإن تبني خيار المقاومة السلمية الذي اتخذته الشعوب العربيه يمكن اعتباره خيارا شعبيا بامتياز ... و هو الخيار الوحيد الممكن في هذه اللحظة أمام هذه الشعوب ... خصوصا في مواجهة حالة التخاذل و التناثر التي يعيشها الوطن العربي .....

أما الدعم الشعبي لمشروع المقاومة عموما .... فيمكن الرجوع الى الشعوب نفسها .... و اكتشاف الدلائل التي تؤشر على اجماع شعبي كامل على فكرة المقاومة للعدو الصهيوني بكل اشكال هذه المقاومة.

و في هذا الاطار يمكن وضع مجابهة التطبيع و المقاطعة مع العدو الصهيوني كأحد الأشكال (إن لم يكن ابسطها) لمقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين و المنطقة. و في هذا الاطار أيضا يمكن وضع أي شكل من التطبيع كعمالة مباشرة للمشروع الصهيوني ....

***


عبر التاريخ و الحضارات جميعا ... كان المنتَج الثقافي لأي أمّة أو حضارة أو شعب، ما هو إلا تعبير عن هموم ومشاكل و أحلام و طموحات هذه الشعوب ... بالاضامة لطموحات (المثقفين) في مستقبل أفضل لهذه الشعوب .... أو حتى للإنسانية ....

و لا يمكن فصل مشروع (المثقف - المنتِج)عن مشروع أمته أو شعبه أو حضارته أو عن طموحات المشروع الانساني عموما ....

و في هذا السياق، لا يمكن القبول بأن يقوم أي من هؤلاء (المثقفين) بانتاج أي خطاب يتعارض مع طموحات و آمال و أحلام شعوبهم ... خصوصا عندما يكون هذا الخطاب يصب في مصلحة العدو بشكل مباشر .... و في حالة العدو الصهيوني ... عندما يقرر المثقفين العرب التطبيع مع العدو الصهيوني فإن ذلك يعني دعما كاملا و مباشرا للمشروع الصهيوني، حيث أن هذا التطبيع يعني بشكل مباشر "قبول" الوجود الصهيوني، أي قبول الدولة الصهيونيه، أي قبول احتلال فلسطين، و هذا القبول في هذه اللحظة يعني مباشرة قبولا للممارسات و الجرائم اليومية التي يرتكبها هذا العدو ...

و لذا فإن المقاطعة و مجابهة التطبيع هو واجب إنساني لأي مثقف وواجب وطني و قومي للمثقفين في الوطن العربي ... حيث أن الكيان الصهيوني هو العدو المباشر للدول العربيه و هو الذي يهدد استقرار و نمو المنطقة ... سواء على مستوى الدول أو على مستوى الوطن العربي ككل ...

عندما يقرر أي من المثقفين التطبيع مع العدو الصهيوني تحت أي مسمى (حتى لو كان فهم الآخر ... أو المواجهة ... أو العماله بشكل علني) ... فهو ... و في كل هذه الحالات ... يعزز شرعية وجود الكيان الصهيوني ... مما يسهم في آلة القتل اليومية التي تشرد و تقتل الشعب الفلسطيني يوميا .... و تسرق أرض هذا الشعب ... بالاضافة الى سرقة الصهاينة لمقدرات و ثروات الدول المجاورة ... و انتزاع سيادتها أيضا ..

Friday, December 25, 2009

الساعة الثامنة صباحا


في الساعة الثامنة صباحا ... وصل الى موقف الباص .... كعادته ...

و كعادته أيضا ... في الصباحات الباردة ... حمل ذلك المعطف الثقيل على جسده ...

وجد بقعة من الشمس .. قرر التوقف فيها .... و لكن ...

إحدى الفتيات تقف في نفس البقعه ..

"أين سأقف؟" .. فكّر ...

"تلك الفتاة جميلة فعلا ... لم أرها من قبل" ... فكّر أيضا ...

هو ... يجب أن يقرر البقعة التي سينتظر فيها وصول الباص ...

هل سيقف خلف الفتاة.... ربما تظن أنه سيقوم بمعاكستها .... تردد ... ثم ... قرر أن يقف أمامها .... و هكذا كان ....

وقف بمعطفه الثقيل ... يراقب بدقه الأجساد الحديدية الضخمة التي تمر أمامه في الشارع ... بانتظار الباص المعهود ....

"هذا الصباح أكثر برودا من المتوقع" ... فكّر ... ثم شعر بالسعادة لايجاده بقعة الشمس تلك للتوقف فيها .... ابتسم ... ثم ....

تلك الفتاة خلفه ... فكّر ... كانت الفتاة جميلة حقا ... اراد النظر خلفه ... تردد .... نظر خلسة .... اراد النظر مجددا ... و لكن .... ربما سيعرف الموجودين في موقف الباص بأنه وحيد .... لم يرد ذلك .... ربما خجلا منهم .. و ربما خجلا من نفسه ... لأنه فعلا ... وحيد ...

قرر عدم النظر خلفه ... تمالك نفسه ... ثم ....

وصل الباص المنتظر .... صعد مباشرة ... و جلس على أحد الكراسي في مقدمة الباص ...

مشى الباص ببطء في شوارع المدينه ....

هو ... ظل طوال الطريق يفكر للتوصل لطرق مختلفه ليبرر النظر خلفه نحو تلك الفتاة .. كان يعرف أنها تجلس في الخلف .. فقد رآها و هي تصعد خلفه في نفس الحافله ... كان سعيدا بذلك ...و شعر بالحزن في نفس الوقت ... فقد تذكّر أنه وحيد الآن ...

مرةَ ... نظر خلسه ..

و مرة أخرى ... و هو ينظر من الشباك ... لحق بنظره حافلة أخرى .. و كأنه مهتم فعلا بتلك الحافله ... كان في الحقيقة يبحث عن مبرر كي ينظر نحو تلك الفتاة ...

و في مرة ثالثه ... بحث عن شيء ما في جيوب المعطف ... كان متأكدا تماما أن جيوبه خاليه .. و لكن ... كان ذلك يسهل عليه مهمة النظر نحو الفتاة دون أن يكون ذلك مكشوفا ...

لم يكن يعرف لماذا ... لم يكن يريد أي شيء سوى النظر إليها ... ربما شعر في تلك اللحظه باهتمام نحو شخص ما .... كان ذلك يكفيه ... ليعبر صباحه البارد ...

وصل الى محطة النزول ....

هو ... سيبدأ يومه المعتاد في العمل ...

* * *

في الساعة الثامنه صباحا .... كانت تقف في بقعة الشمس على موقف الباص ...

و لسبب ما ... كانت تشعر بالحيويه في ذلك الصباح ...

"أنا متأكدة أن الوشاح القرمزي يبدوا جيدا على المعطف الأبيض" ... قالت لنفسها .... كانت سعيدة بتلك الفكرة ... لم تكن متكلفه في ملابسها .... ولكن كانت أنيقة ..

جاء شاب بمعطف رمادي ووقف أمامها في المحطة ... لم تلاحظه في البدء ... فقد كانت تفكر في اللقاء مع أصدقائها بعد العمل .... تمنت أن يكون الجو مناسبا بعد الظهر ... سيكون من الجيد اللقاء في مكان مفتوح ...

هي ... تحب الأماكن المفتوحه ...

نظرت نحو الشارع ... في انتظار الباص ... لاحظت الشاب ذو المعطف الرمادي الواقف أمامها ... كان تركيزها منصبا في تلك اللحظه على ياقة المعطف لذلك الشاب .... كانت الياقة تحتاج الى تعديل من الخلف .... تمنت لو تستطيع تعديلها .... داعبتها الفكرة ... ابتسمت ...

"لا بد أنه وحيد" ... هكذا فكرت ...

هناك بعض الأشياء التي يمكن أن تشي بالتفاصيل الخاصة بحياتنا، كحكاية الياقة تلك. و بالفعل، لو لم يكن صاحبنا وحيدا، لكان هناك من يعدل لهذا الشاب ياقته من الخلف قبل أن ينزل. و الحقيقه المؤكده، أنك لا تستطيع أن ترى ياقتك من الخلف لو نظرت بالمرآة. و المؤكد أيضا، أن هذا النوع من التفاصيل يجذب دائما المرأة للتدقيق فيه .. لربما هو ما يسمونه "حاسة المرأة السادسة". و في قصتنا هذه، سيكون تأثير حكاية الحاسه السادسة للمرأة أكبر بكثير على صاحبنا الخائف من وحدته لهذه الدرجه ...

و على كل الأحوال ... وصل الباص ... و صعدت هي ...

في الباص ... جلست بجانب الشباك...

نظرت نحو الأبنيه و الحافلات و السائرين على الأقدام... فكرت بالكثير من الأشياء ... تذكرت الكتاب الذي كانت تقرأه قبل أن تنام ... وضعت يدها على حقيبتها .... و تأكدت من أنها ما تزال تحمله ... شعرت بالارتياح ... فربما يمكن أن تسرق القليل من الوقت للقراءة أثناء العمل .... هو عمل ممل على كل الأحوال ... و لا ضير من بعض القراءة ...

هي ... كانت تكره الكلمات المتقاطعه ... و كانت تكره أكثر من يقومون بالتسليه بها أثناء العمل ...

هي ... تكره الأشياء المكررة و النمطيه ..

ذلك الشاب ما زال في الباص يجلس أمامها ...و ما زالت ياقته بحاجه إلى تعديل ...

كان يلتفت يمينا و شمالا ... أصبح لديها بعض الفضول لتعرف شكله ... فهي لم تره إلا من الخلف ... كم تمنت أن ينظر ناحيتها.

الغريب هنا، أن صديقنا الذي كان يبذل الكثير من المجهود لينظر نحو الفتاة ... كان يبذل مجهودا أكبر كي لا ينبه أحد اليه.. مما منع الفتاة من رؤيته ...

عادت صديقتنا للتفكير بكتابها .. و فكرت أيضا بأول شيء ستقوم به عندما تصل للعمل ... كان لديها رغبه مفاجئه لشرب الشاي بالنعناع ....

لم تكن تشرب الشاي أصلا ... نظرت نحو صديقنا مجددا ... و فجأة ... توقف الباص .. نزل صديقنا مسرعا ... لحقته بنظرها ... لم تتمكن من رؤيته بوضوح ... فكرّت .. ربما سأراه على نفس الموقف مجددا....


فراس محادين

القاهرة – في 25 كانون الأول 2009


Monday, August 10, 2009

عامٌ على عام الغياب

(في ذكرى مرور عام على رحيل درويش)



لملمتَ أوراقنا ... و تركتَ الحصان وحيدا ..

بعد عام ...

انتظرنا طروادتكَ الحزينة ..
سمعنا صوتَ تلك الأغنية ..
سواء اعتذرت .. أم لم تعتذر ..

بعد عام ..
ما يزالُ سيف المهلهلِ يصدح من بعيد ..

بعد عام ..
تلفٌّ الساعات و الدقائق و الثواني بعكس التيّار ..

بعد عام ...
لم ينفض أحد التراب عن الأغلفه ...

***

كالنهايات الغير متوقعه..
كجرف صخري خلف شاطئ خفي ..
رحلت َ مرةً أخرى ... للشتاتِ الأخير ..

بعد عام ..
انتظِرنا ... و لا تنظر خلفكَ ..
هناك ... طروادة ليست حزينة ..
هناك .. طروادة ليست برسم البيع ..

***

استقبلنا صباحا آخر ... و آخر .. ثم آخر ..

بعد عام ..
ترحل الشمس مرة أخرى ...
و تأخذ معها العقارب و ما تبقى من الزمن ..

بعد عام ..
بعد عامٍ على عام الغياب ..

هدأ صوت البندقية ..
همست بعض السطور هنا و هناك ..

بعد عام ...
ما تزال طروادتك حزينة ..
و نحن ... ننتظر الأمس ...
ليأتي بك مرة أخرى ... هناك ..


فراس محادين
القاهرة – 10 \ 8 \ 2009

Saturday, June 27, 2009

ما بعد صباح ماطر



كم من المحزن ... الاحتفال بميلاد شخص ميت ...!!

حمل فكرته تلك ... و هم بالرحيل ...
استأذن الجميع ... و مضى في طريقه ..

شوارع خالية ... شتاء المدينة حزين هذه السنة !!
شعر بثقل في صدره .. و بشكل لا إرادي ... ظهرت ابتسامة غريبة على وجهه ....

لن يعود الشتاء كما كان .. بعد الآن .. !!

تذكر فجأة أنه بمشي بلا وجهة .... اختفت تلك الابتسامة ...

وبدأ يذكر ما حصل على تلك الطاولة .. قبل دقائق قليلة فقط ...

"شتاء المدينة حزين هذه السنة" ... قالت إحداهن ... بفستانها الأسود ... و كأس صغير في يدها ...

شربت الكأس حتى آخره ...
و شرب الجميع ... كان الكل يلبس الأسود ... إلا هو ..

كان الحزن يتلفح وجه الجميع .. حتى بعد ذلك الكأس ..


رأى طفلان يلعبان ببركة صغيرة من الماء و الطين ... من بقايا صباح ماطر ...

تساءل عن المتعة في ذلك ...

تذكر ... أنه في عامه الخمسين ..
و أنه الآن .. لن يفهم ..

تذكر ما حصل معه على تلك الطاولة ... قبل دقائق قليلة فقط...

كان المكان قد تغير تماما ... لم يتبقى إلا بعض الطاولات ... و ذلك البار القديم ...

على تلك الطاولة .. كانوا الزبائن الوحيدين .. ظهيرة ذلك اليوم ..

كان المكان ساكنا تماما ... و كذلك كانت تلك المجموعة ...

كان الصمت خانقا ..

رفعت أخرى كأسها ... و قالت ... "لن يعود الشتاء كما كان ... بعد الآن" ..

شربت الكأس حتى آخره ...
و شرب الجميع ... كان الكل يلبس الأسود ... إلا هو ...

كان الحزن يتلفح وجه الجميع .... حتى بعد ذلك الكأس ..

في الشوارع الحزينة بشتائها ...
مر بجانب تلك الحديقة ... بالأراجيح الفارغة ... و الأشكال الهندسية الغريبه بأعمدتها الحديدية الملونه ...

تغير لونها و أصبحت باهته ...

تذكر أنه كان يتسلقها في طقولته ..
تساءل عن المتعة في ذلك ...

تذكر أنه في عامه الخمسين ..
و أنه الآن ... لن يفهم ...

تذكر ... ما حصل معه على تلك الطاولة ... قبل دقائق قليلة فقط ...

اختبئت الشمس وراء غيوم ذلك الشتاء ... كانت بالكاد تضيء المكان ..
بجدرانه الصفراء ... الباهته ..

رأى انعكاسه في المرايا الكثيرة في ذلك المكان ...

كان شكله متطابقا تماما في كل هذه المرايا ...
رأى شعره الأبيض ...

كان الكل يلبس الأسود .. إلا هو ....

رفع كأسه أمامه ... و قال ...

"كم من المحزن الاحتفال بميلاد شخص ميت" ...

شرب الكأس حتى آخره ... و شرب الجميع ..

حمل فكرته تلك ... و هم بالرحيل ..


فراس محادين – القاهرة في 26\6\2009

Monday, May 11, 2009

حكاية لم تبدأ بعد


في البدء ...

نظر إليهم جميها .. كان الكل تائها ..

نظر إليهم ... لم يفهموه ...

بحث عن الأفق .. نظر إليهم مجددا ..
لم يفهموه .. أراد الذهاب هناك .. نحو ذاك المغيب ..

* * *

كتب حرفه الأول .. توالت الحروف بعد ذلك ..

ألقى عليهم بحروفه الأولى تلك ..

طربوا .. بحث عن أفقه .. بحثوا معه ..

جال الدنيا .. بحثوا معه ..

نظر إليهم .. و لكن ... لم يفهموه ..

* * *

رسم أول صورة ... رسم ذلك المغيب ..

انتشوا بتلك الصورة .. بحثوا معه ... عن ذلك الأفق ..

نظر إليهم .. لم يفهموه ..

* * *
توالت الصور .. تراكم السأم ..
نظر إليهم .. لم يفهموه ..

* * *

أمسك مزماره .. وصلوه ..
لحقوا به .. الكل لحق به ..

جال الدنيا .. بحثوا معه ..
نظر إليهم .. بحث عن ذلك الأفق ..

* * *

وضع مزماره جانبا ... ألقى بحروفه في البحر .. أحرق صوره ..

نظر إليهم .. و لأول مرة .. استطاع أحدهم أن يفهمه ..

و كان ... البدء ..



فراس محادين
القاهرة - 10 أيار 2009

Saturday, March 07, 2009

لون البحر


تساءلت عن لون البحر ذاك الصباح ..

غرزت أقدامها العارية في الرمال ...
غرست أقدامها أكثر .. غسلتها تلك الرطوبة الدفينة ..

أغمضت عيناها .. و تخيلت ... لون البحر ذاك الصباح ..

فتحت أعينها .. كائنات صغيرة تتقافز بجانب الأمواج .. تبتلعها الموجات .. ثم تظهر مجددا .. تحاول تلك الكائنات اللحاق بأمها .. تتقافز بأقصى سرعة .. تزايد انعكاس الشمس عليها ... تحولت إلى نقاط مضيئة تتقافز هنا و هناك ... كإحدى الحكايات الخرافية ...

لم تدرك .. أنها سرطانات بحرية .. ربما ستقدم لاحقا على إحدى الموائد الفاخرة ..

بحثت هنا و هناك ... رأت رجلها يلاعب أطفاله .. لحقت قطرات الماء المتناثرة على جسده الأسمر ..
أغمضت عيناها مجددا .. تخيلت جسده الأسمر المبتل بملحه و ملح البحر ..

تذكرت ..

تساءلت عن لون البحر ذاك الصباح ...

شبان و شابات يلعبون بين الأمواج .. صرخات مرحه هنا و هناك ..

لم تخجل من عري أولئك الناس .. بل ... ربما كانت هناك ابتسامة خفيفه ظهرت على وجهها ... ابتسامة لم يراها أحد ..

شعرت بالاتزان التام مع كل ما يحيطها ..
هدأت كل الأشياء حولها ..

اتكئت على أحد أطرافها .. وبحركة سريعة ... رفعت ذلك الخمار الأسود .. نظرت ... عرفت لون البحر ..

ابتسمت ... غرزت يدها في الرمال ... عاد خمارها إلى مكانه ..

رطوبة الرمال تلسقت جسدها ... كقطرتين باردتين من الماء على صدرها ..

في تلك اللحظة .. كانت هناك .. كيان متشح بالسواد ..
على ذلك الرمل الأصفر .. و خلف الموجات ... ما تزال تلك النقط المضيئة تتقافز أمامها ...

في تلك اللحظة .. كانت هناك ...
كيان متشح بالسواد ... بين تلك الألون ..

تحت ذاك السواد .. أغمضت عيناها .. لترى لون البحر ..
و ابتسمت ...



فراس محادين
القاهرة - في 7 آذار 2009



Monday, December 29, 2008

آر بي جي

انهمرت الدماء على تلك الشاشات الصغيرة ..
بحثت عن مهرب لعينيَ .. رأيت جسدا هزيلا .. مكسور

مرآة .. شاشة أخرى .. و مزيد من الدماء

خطب .. مظاهرات .. تهليل و شجب 
و أنا .. لا أزال في تلك الغرفة ..
 كيان صغير بائس .. ابحث عن مهرب

كلام كثير .. معاجم و قواميس .. عرفت قاموسي الآن

آر بي جي .. كلاشينكوف .. حزام ناسف .. عبوات متفجرة .. مسدس .. صاروخ .. و بندقيه
حي على البندقيه ..

احفظوا هذه الكلمات ..
آر بي جي ..

قواميسكم لا تهمنا
 و الزيتون لنا

احفظوا هذه الكلمات ..
فلوجة الأمس و غزة اليوم ..
آر بي جي .. هي كلماتنا

اصرخوا رصاصا .. أو اصمتوا ..
و انتظروا

خلف تلك الأجساد الهزيلة ... انتظروا

احفظوا تلك الكلمات ..
 آر بي جي .. و بندقيه 

تلثموا بالرصاص .. حلَقوا غضبا
فقد وجدت قاموسيَ الآن ..
الحق بهؤلاء الأنبياء خلف الخنادق
ابحث عن رسلي المغيبين تحت رعب الطائرات السوداء

احفظوا تلك الكلمات ..
 حي على البندقيه

ربما ... عليكم الانتظار
ربما ... عليكم الصمت
ربما ... عليكم الصراخ
أما الأنبياء ... فعليهم السلام ..

و أنا .. في تلك الغرفة .. خلف تلك الشاشة الصغيرة ..
احفظ قاموسي ... و انتظر

سيأتي دوري قريبا ... و أجد نبييَ المنتظر

فقد كانت الوصية بعد العاشرة ...
أنَّ ... حيَ على البندقيه

فراس محادين
القاهرة - 27 /كانون الأول/2008

Wednesday, December 10, 2008

حالة حب ... موقته



في زحام ذلك الرصيف ... بحث عن مكان لخطوته القادمة ...

حمل آلته الموسيقيه بيمينه، تحاشى ضربات المارة ..

يجب أن أصل في الموعد المحدد ... فكَر .. نظر الى ساعته في يده اليسرى ..
اصطدم أحدهم به بلا اعتذار ...
لا بد أنه متأخر عن موعد آخر .. فكَر ..

وجوه كثيرة ... بلا ملامح .. روائح كثيرة ... بلا معنى ...
ضربات أخرى ... اخترقه ذلك الزحام ... فكرَ في موعده .. خجل من احساسه المترف بالمسؤولية ...

تلقى ضربة أخرى ... عاتبه خشب آلته ... اهتزت أوتاره داخل تلك الحقيبة السوداء ..

أراد الهرب .. ارتعد .. و لكن .. ذلك الموعد ..

يجب ان أجد مكان لخطوتي القادمه ... فكَر ...

***

آه ... وصل لتلك الساحه .. بعض المارة هنا و هناك ... لا زحام .. كصفحة بيضاء بانتظار قصيدة أخرى ..

توقف قليلا .. تنشق بعض الهواء، و بعض الدخان الأسود،

تابع مسيره ... فكَر .. حتما سأصل في الموعد ..

في تلك الساحة .. سمع اسمه بصوت أحدهم .. نظر باتجاه الصوت ...

أحد الأصدقاء ..
يجب أن أتوقف للتحيه .. و لكن .. ذلك الموعد ... فكَر مجددا ..

***

ذاك الصديق و آخرون ... مد يده اليسرى للسلام ... شعربالخجل ..
وضع آلته جانبا، سلم عليهم بيمناه ..

بين تلك الأيدي .. كانت هناك ... ابتسامة خجوله تحت ذلك الثوب الأبيض .. ربما كانت تصغره ببعض الأعوام ... فكَر ..

"كيف الحال؟" .. سأله الصديق ..

تردَد ..
ا"لجو حار هذه الأيام" ... أجاب ..
خانه إحساسه بالرزانه .. خجل مجددا ..

"لماذا أراك وحيدا ؟" .. سأله الصديق ..

فكّر .. نفس السؤال من نفس الصديق كل مرة ..
"عندي موعد" .. أجاب ..

حمل آلته، و مد يده اليسرى للسلام .. و لكن ..
وضع آلته جانبا، سلم عليهم بيمينه ..
بين تلك الأيدي .. كانت هناك ..
***
تابع المسير ... أراد أن ينظر خلفه ..
ربما كانت تنظر اليه بدورها بتلك الابتسامة الخجولة
لا نعرف ذلك بالتأكيد .. ربما ..
ربما كانت في حكاية أخرى بالفعل تنظر اليه ..
و لكننا نعرف ... أنه لم ينظر خلفه ..

انهمر ملحه على جبينه .. خجل من حساباته الصغيرة .. و ذهب في طريقه ..
نسي موعده .. و بحث عن زحام آخر ..

فراس محادين
القاهرة / 10كانون الأول 2008