Saturday, February 18, 2012

ديرتنا

Nikon F80 35mm, 70-200 Macro Lense, Kodak Plus films
ربيع حلمنا به، من تصويري
بما أننا نعيش عصر "الربيع العربي" و الحرية و الديموقراطية و حقوق الانسان كما يدعي الكثير هذه الأيام، فلنتحدث عن الأشياء التي لم تطرق من قبل، و سأبدأ الحديث بمطلع الأغنية التالي:

ديرتنا الأردنية
ديرة كبيرة ... و قوية
عمرها بو عبدالله
بالأسرة الهاشمية .. الهاشمية

الأغنية بسيطة الكلمات، واضحة المعاني، و المفترض بأن هذه الأغنية "الوطنية" تعبر عن المشاعر الوطنية للشعب .. أي .. تعبر عن وجدانه.

حسنا إذن، فلنحلل كلمات هذه الأغنية، بساطة الكلمات و بساطة المنظور للواقع تعبر عن الطريقة التي يفكر بها الشعب وتعبر عن وجدانه. هذا طبعا بالنسبة للمؤلف و من تبنى مشروع هذه الأغنية. أي أن هذا الشعب البسيط يرى الأردن باعتباره "ديرة" ..  و الديرة أيها الأعزاء هي تجمع خيام مجتمعات البدو في ترحالهم الصحراوي، و البدوي يعيش رحلة دائمة بحثا عن الكلأ و الماء..  غازيا في بعض الأحيان، مهزوما في أحيان أخرى، و من مفارقات الصحراء الكبرى تزامن الغزو و الهزيمة في الكثير من الأحيان، عندما تهزم القبيلة و تضطر للرحيل و الهرب من المكان، لتنتهي غازية في مكان آخر، لتهرب قبيلة أخرى مهزومة أو تعيش مغلوب على أمرها تحت إمرة السادة الجدد..هو جدل الصحراء و التيه الأبدي في دوامة الصراع مع الطبيعة..


هكذا يرى المؤلف سكان الأرن، و أنا .. كوني ابن الأردن من جنوبها، لا أرى بأن هذا المنظور للواقع يمثلني، و لا يمثل أحد ممن أعرفه في محيط عائلتي المباشر أو محيط عائلتي الواسع، في عشيرتي أو حتى في محيط أصدقائي و معارفي، سواء موالين للنظام أو معارضين، محبي الملك الراحل أو كارهيه أو حتى محايدين.

 و هنا لا أتحدث عن مشاعر الولاء من عدمها، سواء للدولة أو للملك نفسه، و لكن أتحدث عن المنظور للواقع.  هذا المنظور الذي يقحمه علينا المؤلف.. و للإبقاء على إمكانية "حسن النوايا" سنفترض بأن المؤلف رسم منظوره الشخصي الصحراوي الذي يمثله، و بأنه (أي المؤلف) لا ينتمي للبيئة في بلادنا .. هذا احتمال،  أو ربما قد يكون المؤلف من بيئة أخرى ثالثة مختلفة تماما، و أخطأ الفهم عندما وضع هذه الكلمات، و يحصل هذا كثيرا مع اقتصار المراجع التاريخية لبلادنا على كتب الاستشراق، و التي تخلط المفاهيم معظم الوقت بما يتلاءم مع مخططات القوة الاستعمارية.
 و ربما يفسر ذلك المشاهد المتكررة و اليومية للصحراء و الجمال و الخيام على التلفزيون الرسمي الأردني، و كأن هناك من يود التأكيد على الرواية الاستشراقية الانجليزية. و اذكر الاستهجان الدائم الذي كنت اسمعه في كل مرة تعرض تلك المشاهد على التلفاز، سواء من عائلتي المباشرة أو محيط عائلتي الواسع، في عشيرتي أو حتى في محيط أصدقائي و معارفي، و ذلك كون بلادنا تختلف عن تلك المشاهد، فنحن نعرف المدن و القرى و الجبال و الوديان و الأغوار و القلاع و التاريخ المجيد.. و نصمت في كل مرة تعرض الأغنية الجميلة التي تقول:

أبي فلاح من اربد .. هيلا هيلا هيلا
و يحب الأرض و أمي و الأولاد ... و يحب عيون الحرية

ان عرض تلك الأغنية تحديدا قد يدعم فكرة "حسن النوايا"، و لكن ..و في المقابل ..  قد يعبر عن حالة الرفض و المقاومة الكامنة في البنية الشعبية التي وصلت حتى مفاتيح القرار في التلفزيون الرسمي و الإصرار على التمسك بالهوية و لو عبر هذه الأغنية.

مما يعيدنا الى تلك الأغنية التي بدأنا بها الحديث و يجعلنا نتساءل .. ما الذي يدفع أحدهم الى نشر هذا الخطاب؟؟ لماذا الاصرار على الربط بين الولاء للنظام و بين انكار الذات؟؟

و هذا بغض النظر عن الموقف من هذا النوع من الأغاني، سواء كان الشخص رافضا لفكرة "مديح السلطان" تحت أي ظرف، أو موافقا عليها، فليس هذا ما نناقشه، نحن نتحدث تحديدا عن الاسلوب المتبع، و هنا أذّكركم بأن الجميع ينصت بانتباه شديد لتلك الأغنية من كلمات الجواهري التي تقول:

يا ابن النبي و في الملوك مكانة ... من حقّها بالعدل كان رسولا

حتى المعارضين للنظام (بل و الكارهين له) ينصتون و يحترمون المستوى الرفيع لهذه الكلمات، و أتحدى أي كان أن يقول غير ذلك.. فعندما تعلن الولاء بهذه القيم الرفيعة و النبيلة لن يستطيع أحد سوى احترامك بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول هذا الولاء نفسه. بل و أزيد على ذلك من موقفي الشخصي و أقول بأنه من الجيد ربط الولاء بتلك القيم النبيلة، خصوصا عندما ترتبط بمفاهيم التحرر و الاستقلال و تحرير الأرض المحتلة و الانتصار للإنسانية. و هنا أذكر بأن الزعيم عبد الناصر قد رحل منذ زمن طويل، و بغض النظر عن "التناقضات" الثانوية التي قد يراها البعض مع عبد الناصر، و لكن يجب الاعتراف بأن أغاني الكرامة و الانتصار أيام ناصر لا تزال تلهب المشاعر الوطنية حتى اللحظة، و يمكن اعتبارها بلا مواربة أغاني تعبئة وطنية و تحشيد شعبي بامتياز، كما لا يمكن إنكار مقدار التعبئة المعنوية و النفسية الهائل لفيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين في شحن المشاعر القومية و الوطنية عند المشاهدين،  وفي نفس الوقت..لا يمكن انكار المستوى الرفيع  و العظيم في الصورة السينمائية و شكل السرد المتقدم لذلك الفيلم.. و نكرر .. و بغض النظر عن التنافضات الثانوية التي يمكن أن يجدها البعض مع الراحل جمال عبد الناصر، إلا أنك لن تجد ناقدا سينمائيا واحدا يحترم نفسه و يحترم مهنته لا يقف احتراما أمام ذلك الفيلم، حتى و إن كان كارها لعبد الناصر.. و على كل الاحوال، هم و إن كرهوا عبد الناصر، و لكن لا يمكن لأحد ان يكره تلك المرحلة بما أنتجت على كل المستويات، من السياسة الى الثقافة و الفن و الأدب الى التطور الاجتماعي و الصحي الى حتى الرياضة.

و لهذا نحن لا نناقش مفهوم "المديح" و اعلان الولاء نفسه، و لكننا نبحث في الطريقة التي عبروا بها عن ذلك. و نعود للأغنية الأولى مرة أخرى، لماذا الإصرار على الطابع البدوي للأردن، هل يعتقد المؤلف  بأن الولاء للنظام يعني الولاء للبيئة التي قدم منها الهاشميون؟ و هل ذلك صحيح أصلا؟

يجب أن ندرك البيئة الخاصة لشرق الأردن كإحدى المماسات الكبرى بين الصحراء وبين بلاد الشام، كمنطقة طرفية تحمل طبيعة مشتركة تجمع بين الاطراف الصحراوية و أطراف بلادنا، المدن و القلاع و القرى و الجبال و الوديان و الأغوار و الجبال الصخرية الجرداء الملونة. و في الأردن لا يمكنك انكار التأثيرات الصحراوية على ثقافتنا، بداية من القهوة التي شربها الفلاحين و عشقوها حد التبني و تحولت الى طقس شعبي... مرورا بعبقرية الخيام كحل مذهل لتخفيف حدة الشمس و الحر في بلادنا الحارة، فاستخدمها الفلاحون مصيفا بجانب منازلهم الحجرية... وصولا لطقس النار و الغناء، فالموسيقى تحديدا هي المستوى الأكثر مرونة في الثقافات الانسانية جميعا، و الأسرع انتقالا و الأكثر تأثرا، الموسيقى فعليا هي حامل الحضارات و مخرن التاريخ و تجلي الجوهر الانساني المشترك لبني البشر على الكوكب جميعا... و انتهاء باللغة، حامل الوجدان، فقد استطاعت لغة المعلّقات الهيمنة على كل اللغات الموجودة في بلادنا دون صعوبة، لقد عجنت اللغات في بلادنا لتشكل سويا لغة الشعر النبطي، منارة العلم و الحضارة للبشرية كما كل مرة.

و بذلك نفهم استحالة انكار الذات لمجتمع عريق هو بالفعل الشاهد على الحضارات جميعا، على ممر خطوط التجارة و القوافل و الحجاج و صعود الامبراطوريات و أفولها، في بلاد كانت مراكز اقليمية أكثر من مرة عبر التاريخ، لا يمكن لأحد ان ينكر الجانب الصحراوي في التكوين الثقافي لبلادنا كعامل مؤثر، و في الوقت نفسه لا يمكن انكار الجانب المدني و الزراعي أيضا، و هو الحقيقة التاريخية التي لا يمكن الغاؤها.

نحن لا نزال نفترض حسن النوايا، و لكننا نود أن نذكّر بالقليل من تاريخنا، و سأتحدث عن التاريخ المرتبط بي بشكل مباشر، فالحكايات عن جد والدي ما تزال متداولة في العائلة عن رحلاته لمدينة الخليل على ظهر الحصان و العودة في اليوم نفسه احيانا لاحضار البضاعة و لوازم الحياة.. بالاضافة الى الحكايات عن جدي الخامس قاطع الطريق، و الذي لم يمانع التعامل مع العصملي بل و مساعدتهم على دفع الرواتب من ذهبه أحيانا، هو نفسه الذي تحول الى ثائر عليهم في الجبال بعد أن اكتشف بأنهم أعداء و محتلين، و بعد أن اكتشف بأن المشترك الاسلامي مع التركي ما هو الا غطاء لاستعمار جشع ووحشي و عنصري، فهو ابن الكرك المدينة الضاربة في التاريخ، و منظوره للواقع ليس بحثا "ديره" في الصحراء للحصول على الماء و الكلأ، هو يعيش الى جانب عين سارة ووديان الكرك المليئة بالمياه، هو ابن الحضارات و الممالك و الامبراطوريات الكبرى و كانت الكرك نفسها مركزا لممالك كبرى عبر التاريخ أكثر من مرة، هو ابن هذا التاريخ و لن تكون علاقته بأحد خارج هذه المعادلة.

من أقحم منظوره على ثقافتنا في تلك الأغنية يريد تجريدنا من هذا التاريخ، و استكمالا لحسن النوايا سنعتبر بأن السبب هو الخطأ في قراءة التاريخ، و لهذا علينا بتذكيره بالواقع و حقيقته، و بأن العلاقة بين أهل البلاد و بين العائلة الحاكمة هي محصلة اتفاق بين شيوخ العشائر و بين تلك العائلة بأن تكون حكما عادلا بين الجميع، لتوحيد الشعب في مواجهة الاحتلال، و يكون الأردن منطلقا لتحرير الأرض المحتلة من الاستعمار و توحيد بلاد الشام، و هذا ما تجلى في مؤتمر أم قيس عام 1920 لاعلان امارة شرق الأرض واختيار علم سورية الكبرى علما لشرق الأردن، و هو علم الأردن الحالي بنجمته السباعية التي ترمز لمدن الديكابوليس السورية السبعة.

نحن لسنا مجموعة من البدو وجدوا انفسهم فجأة و بشكل طارئ في تجمعات مدنية متحضرة، و نتفن جيدا لعبة التاريخ و الحضارات و الممالك و الامبراطوريات. لسنا مارقين على التاريخ، و شجرة العائلة لكل منا تمتد مئات السنوات في قرانا و مدننا،  و هذا أحد أهم الملامح الخاصة لأبناء بلاد الشام، الارتباط بالارض و التاريخ معا.

 و يمكن لأي باحث تتبع هذا النمط في كل مجتمعات بلاد الشام، في سورية و لبنان و الأردن وصولا للعراق و الأراضي المحتلة في فلسطين و الجولان و لواء اسكنرون، عائلات عريقة تمتد في التاريخ، و شجرة عائلة طويلة مرتبطة بالارض و الاحفاد في نفس الوقت، الانتقال و الترحال للعائلات و العشائر لم يحدث الا ما ندر، و حدث أن بعض العائلات قد جلت من مدينة الى اخرى إثر ثارات قبلية او تجارة، و حافظات هذه العائلات جميعا على  أثر يحفظ أصلها و ارتباطها بمدنها و قراها الأصلية عبر تعديل اسماء تلك العشائر احيانا، أو عبر تناقل الحكاية من الأب الى الابن الى الحفيد في مرات كثيرة، و هذه الظاهرة تحديدا يمكن اعتبارها من العوامل التي شكلت الشخصية الخاصة في بلاد الشام، الى جانب التكامل الاقتصادي الموضوعي و التاريخي، و الى جانب حركة التجارة و التزاوج و اندماج الطقس و اللغة و غيره من العوامل التي شكلت الأمة.

و قد حدث بأن اضطرت بعض العائلات و العشائر للهجرة الجماعية لظروف خارجية قاهرة، مثل الاحتلال الصهيوني لأرضنا في فلسطين و اضطرار الكثير من العائلات للنزوح هربا من الاجرام الصهيوني و مرغمين على الرحيل في معظم الحالات، و يمكن لأي باحث أن يلمس بسهولة شديدة ارتباط تلك العائلات بقراها و مدنها الأصلية، و اصرارها المحافظة على ذلك الارتباط بالوسائل التي تحدثت عنها منذ قليل، كما يمكن بسهولة ادراك مستوى الاندماج الاجتماعي العميق جدا بين النازحين و المهاجرين من أبناء فلسطين المحتلة و بقية ابناء بلاد الشام،  سواء في الأردن أو سوريا أو لبنان .. و بالرغم من تعقيدات السياسة في الكثير من الأحيان، و لكن على المستوى الاجتماعي يمكنك بسهولة ادراك بأنك أمام أمة واحدة لا يمكن تقسيمها، كما يمكنك بسهولة ادراك بأن هذا الاندماج الاجتماعي العميق لم يغير من ارتباط الفلسطيني بأرضه، بل عزز من ارتباط ابناء بلاد الشام بتلك الأرض المحتلة.

و نعود للمؤلف و نقول له .. الأردني ليس هجينا يمارس الدهشة اليومية من أضواء المدينة، فهو ابن الحضارة و ابن اللغة و ابن الثقافة و التاريخ المضئ. هو ليس مذعورا من قبائل تغزوه في الليالي الحالكة لتخرجه الى تيه الصحراء، فهو ابن هذه الأرض لالاف السنين، و يتقن لعبة الحرب و الدفاع عن الأرض، هو يبني القلاع و الممالك و خطوط السياسة و التحالفات  والحروب و يبقى في الأرض، و تبقى هذه أرضه.

من كتب الأغنية التي تحدثنا عنها في البدء لم يفكر بكل ذلك، هو قام فقط باسقاط رؤيته الخاصة على ابناء بلادنا، و هناك من قام بتبني الأغنية و بثها بشكل يومي على التلفاز ليحفظها كل الاطفال لتغيير الوعي و الوجدان و الذاكرة. من قام بذلك اساء للأردن كله، الأرض و الشعب و الذاكرة و التاريخ، كما اساء للعائلة الحاكمة و طبيعة علاقتها بالشعب، فالجميع يدرك بأن علاقة الشعب بالنظام مبنية تاريخيا على معادلة مختلفة تماما.

يجب الاعتراف بأن هناك حالة رفض شعبي لشطب الهوية الشامية لابناء بلادنا و  هناك مقاومة كامنة  مستمرة منذ عشرات السنين لمواجهة حملة "الاستشراق" المحلية، و يتجلي ذلك هذه الايام مع تصاعد الحركة الاحتجاجية الشعبية للأسباب الداخلية بعناوينها المختلفة من محاربة الفساد الى الاصلاح السياسي  والاقتصادي  و توسع بؤر تلك الاحتجاجات، و المترافقة مع الرفض الشعبي المطلق لسياسات وادي عربة و نتائجها، و ذلك كله سيؤدي الى إثارة الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين الشعب و النظام  و اقترابها أو ابتعادها عن المعادلة الأصلية التي بنيت عليها،  و في ظل الوضع الحالي فإن الأجوبة ستؤدي بالضرورة الى مراجعة شعبية حقيقية لهذه المعادلة.

 و لهذا نذكّر من يحتاج الى التذكير و نحذّر ... ليس لخوفنا على المعادلة، و بغض النظر عن موقفنا منها الان، و لكننا ندرك بأن المرحلة دقيقة جدا و حرجة، و بدائل تلك المعادلة ستكون كارثية في ظل الوضع الاقليمي (الاستمرار الصهيوني في احتلال الأرض و محاولات أمريكا تمديد هيمنتها على المنطقة و العالم و هي تحاول عبور أزماتها الكبرى)..هذه الأزمة التي ستدفع بأمريكا نحو ممارسات اكثر جنونا و همجية للمحافظة على مصالحها ..  و  قد قام الكثيرون منا بقراءة التقارير و التصريحات الاعلامية للعدو و التي تتحدث صراحة عن سيناريوهات تدميرية في بلادنا.

و هنا نقول، على النظام مسؤولية تاريخية في العودة عن سياساته التي تتناقض مع مصالح الشعب الأردني، و عليه أيضا  تبني خطابا يمثل الوجدان الحقيقي لأبناء بلادنا، لحماية الأردن الدولة و الشعب و حماية نفسه بالضرورة... بدءا من ابطال معاهدة وادي عربة و اعادة النظر في كل السياسات الاقتصادية و استعادة ثروات بلادنا و سيادة الوطن و كرامته، وصولا الى الاصلاح السياسي و مشاركة الجميع في ادارة الدولة .. كما جيب التوقف عن تبني ما يقوله مؤلف تلك الأغنية.

فراس محادين
29 كانون الثاني 2011

Saturday, February 04, 2012

منبه



حان موعد الاستيقاظ يا أبناء بلادي، أنا أعرف بأن الطقس بارد، و بأن الجسد يحتاج للكثير من النوم لعبور الشتاء و توفير الطاقة لمواجهة الأمراض و الجراثيم و الفيروسات، خصوصا لانخفاض مستوى المناعة عند البشر في الجو البارد عموما، و تحول الطاقة الكامنة فينا لدفع الحرارة في أجسادنا في معركتنا الأبدية للبقاء.

لكن، و بسبب ضرورات المرحلة علينا الاستيقاظ يا أبناء بلادي، فالذئاب تنتشر في الوديان و الشوارع و الغرف السوداء و خلف الشاشات. و ابن آوى خلف الجريدة، هو يستطيع رؤيتكم جيدا بسبب الفتحات الصغيرة في تلك الجريدة، و عندما يحمل حاسوبا لا يحتاج لفتحات، فالعالم أمامه ككتاب مفتوح و ما عليه سوى اختيار الصفحات ... ابن اوى يقف أمام أبوابكم جميعا يتربص بكم واحدا واحدا و ينتظر، و عندما يغلبكم النوم تماما و تسرحون مع الملائكة سيعرف هو ذلك، و سيخبر تلك الذئاب لتهجم على رزقكم و تأكل حتى أولادكم.

العدو يزداد شراسة يا أبناء بلادي، و المعركة ليست على أطراف الجبال كما كانت في الماضي، المعركة الان في بيوتكم، واحدا واحدا ... شاشة صغيرة أو كبيرة في بيت كل فرد فيكم يطلق عبرها كافة أنواع الأسلحة الخفيفة و الثقيلة.

استيقظوا يا أبناء بلادي، فالمعركة أصبحت معركتكم الفردية، الممارسة اليومية قد تكون إما فعل مقاوم أو فعل للعبودية، ولا خيار ثالث أمامكم، فالعدو أعلن وفاة الخيار الثالث و منذ فترة طويلة. 

العدو استغنى عن الصواريخ العابرة للقارات و التهديدات بالقنبلة النووية .. على الأقل في الفترة الحالية ... هو أعلن بأنه سيستخدمكم أنتم وقودا للحروب الأهلية.

استيقظوا يا أبناء بلادي، العبادة خير من النوم، فالصلاة عبادة، و العمل عبادة، و الجهاد و المقاومة عبادة.

ولا بد من التذكير بأن هناك فرق كبير، و كبير جدا بين العبادة و العبودية..  فالعبادة لله ... و العبودية التي أتحدث عنها هي للبشر أو للأشياء من صنعهم ، و هذه العبودية تعني مباشرة بأن تكون دون البشر.. فأن تكون عبدا لشخص اخر فهذا يعني بأنك دونه، كما أن الأشياء من صنع البشر هي حتما دونهم .. و بالضرورة.

و هناك من يتعمد خلط المفهومين في هذه الأيام، خصيصا اخوان الشياطين من ابناء آوى، هم يتلفحون بعباءة الاسلام و الاسلام منهم براء. و نحن نعرف أن من يعبد الله، لا يمكن أن يكون عبدا لغيره، الله يمثل الكمال بعينه، و كل شيء دونه ناقص. سواء بالمفهوم الاسلامي، أو غيره من الاديان و الافكار الانسانية عموما.

و ابناء آوى يا ابناء بلادي يقيمون الصفقات بالسر مع المستعمر الامريكي، القاتل اليومي الذي لم يتوقف عن القتل و التدمير منذ وصوله لارض الهنود الحمر و حتى اللحظة. من يضع يده بيد الشيطان يكون عبدا له، هكذا كانت المعادلة منذ غابر الأزمان مرورا بفاوست ووصولا لهذه اللحظة.

هم يجاهرون بالاسلام لأنكم انتم يا ابناء بلادي مسلمين و ليس لأنهم كذلك. هم يريدون اختراقكم و كسب ثقتكم، لتمرير صفقاتهم مع المستعمر و اعطاؤها الشرعية عبركم. تماما كحكاية "ليلى و الذئب" التي عرفناها جميعا و نحن أطفال!!

و اذكروا يا ابناء بلادي بأنهم يتقنون تقليدكم جيدا، ففي أرضنا في تونس هم منفتحون و علمانيون و يعينون وزيرات دون حجاب، أما في مصر بلحى طويلة و نساؤهم منقبات يلبسن الأسود من رؤوسهم و حتى أخمص قدميهم، و اذكروا يا ابناء بلادي عهودهم العلنية بالمحافظة على معاهدات الذل مع الصهاينة. و في أرضنا في فلسطين حملوا السلاح بضع الوقت كي يحصلوا على ثقتكم و من ثم قرروا فجأة وضعه جانبا و تأجيل القضية.. اذكروا جيدا بأنهم جميعا ينتمون الى تنظيم واحد و مكتبه في لندن عاصمة المستعمر الانجليزية .. ما هذا التناقض؟؟  و هل يمكن خداعنا .. بلحية ؟

الخطير يا أبناء بلادي هو أن صفقاتهم هذه تشمل الحروب الأهلية و القتل و التدمير و استمرار التبعية، هم الأداة الأخطر للرجل الأبيض .. و لكنها محلية.

اذكروا يا ابناء بلادي بأن قبلتهم الحالية هي قطر، الدولة المحتلة بالكامل عبر كل من قاعدة العيديد و السيلية، و العيديد هي أكبر قاعدة أمريكية جوية في المنطقة، أما السيلية فهي أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا في العالم أجمع.

استيقظوا يا ابناء بلادي ... و اعذروني على التكرار و السجع،  كما تعذرون المنبه و تعيدون ضبطه على نفس الموعد قبل النوم في كل مرة.

فراس محادين
بيروت، 4 – شباط – 2012 

Friday, February 03, 2012

أدب الكتروني

مساء كهربائي -  من تصويري
Nikon F80 35mm, 70-200mm lense (Macro), 400 Plus Kodak Film


كرت
كرت جديد يضاف الى جيوب معطفي، الى جانب الهوية و رخصة القيادة و بعض كروت العناوين لبعض الشخصيات الغير مهمة، كرت جديد لحسابي البنكي الجديد والفارغ حتما بانتظار راتبي الشهري ليعود فارغا بعد فترة ليست طويلة، للدخول في دوامة العمل و الراتب و الديون و التفاصيل الصغيرة، الصغيرة جدا.



"عليك ادخال هذا الرقم مرة واحدة عند أول استخدام للكرت الجديد، و من ثم عليك اختيار رقم سري جديد، احفظه و لا تدونه في أي مكان، و لا تعطيه لأحد، خصوصا عبر البريد الالكتروني أو برامج المحادثة أو الرسائل الهاتفية، و في حال ضياع الكرت عليك الاتصال على أحد الأرقام التالية: ..."

إحفظ الرقم، هكذا يقولون ... تنهدت طويلا و انا أعبر ليل المدينة الباردة.. رقم جديد علي ايجاده.. و حفظه أيضا .. و يجب أن يكون الرقم اعتباطيا تماما دون أي ارتباط بي و بما يجعلني أنا ... ولكن .. هل يعقل ذلك؟!

تنهدت طويلا .. ربما سأستخدم ذكرى لقصة حب عابرة، و لكن .. ربما سأنسى تلك الذكرى أيضا.. فهي عابرة .. هم يطبق على صدري .. وريثما أجد الحل .. سأتجنب تلك الالة قدر استطاعتي

***
سيجارة الكترونية

توقفت عن التدخين لأجل حبيبتي، و رغم كافة الوسائل المتبعة للبقاء بعيدا عن السيجارة ما تزال الرغبة بها دفينة، و ما زلت في حالة مقاومة مستمرة، فالمقاومة بالنسبة لي المنزلة الأرفع في الحب، و أكثرها رقيا، و أصالة، و انسانية.

منذ بضعة أيام جاء أحدهم  و بيده سيجارة الكترونية، لم أصدق في البداية.. و لكنها كانت حقيقية. أثارت فضول أحدهم لدرجة الدهشة، و كانت المحادثة بينهم عن تلك السيجارة طويلة، فهي لا تحترق في الحقيقة و انما تحمل ضوءا أحمرا في مقدمتها يضيء فقط كي تشعرك بأنها تعمل في الحقيقة، ربما لإكمال الطقس .. أو من باب تسويق المنتج ... لا أعرف بالتحديد

و المدهش أكثر هو الدخان الأبيض الذي يخرج من فمك عندما تدخنها، و هو في حقيقته مجرد بخار ... وهم يشابه لعبة الطفولة في الايام الباردة، عندما كنت طفلا كنت اضع  عودا خشبيا صغيرا في فمي ثم أنفخ الهواء الحار من جسدي ليتحول الى بخار يشعرني بنشوة الرجولة.. ذلك كان وهم الطفولة على كل الاحوال..

و يمكنك ايضا استخدام السيجارة الاكترونية أيضا في الطيارة و المكاتب و أينما ذهبت، ليس هناك قوانين تمنعها من الدخول لأية مكان، تضعها في جيبك ببساطة و تخرجها هكذا و في أية وقت و تدخنها قليلا ثم تعود الى الجيب دونما أية أضرار جانبية واضحة و معلنة ...ـ
أنا شخصيا ... سأختار حبيبتي .. لا تلك السيجارة

***

هوية

أحدهم حاول سرقة صفحتي الالكترونية منذ بضعة أيام ...  شعور غريب فعلا، أعرف من حكايات أبي و أصدقاؤه الذين أصبحوا أصدقائي أنا أيضا بأن "المناضلين" في الفترة الماضية كانوا يخشون العسس لخوفهم من اختراق حياتهم الخاصة، و تفاصيلهم الحميمة و غير الحميمة...

ما أشعر به يختلف عن ذلك .. و صفحتي الالكترونية لا تحمل تفاصيلا حميمة على كل الاحوال ... ما شعرت به كان شيء اخر .. و كأن هناك من حاول أن يسرق حقي في الوجود .. تلك الصفحة لم تكن سوى انعكاس ما لوجودي ... و بغض النظر عن أهمية ذلك الانعكاس عموما .. و لكنه حتما  جزء من ذلك الوجود.

ربما تشابه تلك التجربة من وقف بمواجهة كاتم الصوت يوما، سواء استطاع النجاة أم لا... في تلك اللحظة تحديدا تدرك بأن هناك من يغتالك، و يحرمك حقك في الوجود...

و لكنني أعاود نفسي و أقول ... نحن نتحدث عن انعكاس ما لوجودي، لا لحقيقته، و لذلك ... أعتقد أن التجربة تشابه من وقف بمواجهة كاتم الصوت في حلمه.. لا أكثر ..ـ

***
خاتمة

توقفت عن استخدام القلم إلا ما ندر في الفترة الأخيرة، لا أستخدمه حتى للكتابة!!ـ

اتساءل دوما حول شكل الأدب في الفترة القادمة، هل سيكتب الناس عن برامج التلفزيون أو صفحات الانترنت أو ملاحقة التقنيات الحديثة؟

هل نعيش هذه الأيام "الفترة القادمة" دون أن ندرك ذلك .. أو نعترف به بالحد الأدنى؟؟

ما الذي يحصل عندما يهدم الجدار العازل بين الحلم و الحقيقة، و يصبح الحلم هو الحقيقة؟

هل أصبح الحلم هو الحقيقية؟ أم الحقيقة أصبحت الحلم؟

  هل نستيقظ؟

***



فراس محادين
2 – 2 - 2012


Monday, January 30, 2012

لعبة الصورة

 الأخوين لوميير
مخترعي آلة التصوير السينمائي

سأبدأ الكلام بالاكتشاف الذي توصل اليه رواد السينما في بدايات القرن، الاكتشاف هو قدرة العين على تخزين الصورة لمدة محددة كي يقوم الدماغ بتحليلها و فهمها، و هذه المدة هي 1/19 من الثانية، و بالتالي ان مررت 19 صورة متتالية أمام عين الانسان المجردة خلال ثانية واحدة فستكون له القدرة على رؤية صورة متحركة، هذا هو المفهوم الأساسي  الذي تشكلت لغة السينماعلى أساسه






لقطة القطار الشهيرة في بدايات السينما للأخوين لوميير
و قام بعد ذلك السينمائيون السوفييت (مثل ايزنشتاين و بودوفكين) بالبحث بشكل أكثر عمقا عن الكامن في هذه اللغة، و ارتكزوا الى الديالكتيك الماركسي للوصول لتركيبات أكثر تعقيدا عبر تمرير صور مختلفة في الشريط السينمائي لايصال الفكرة عبر تنوع الصور لخلق معان جديدة تعتمد على المخزون الثقافي و الانساني للعقل، و هو ما نقل السينما الى مستوى اخر يحفر في الوجدان و يستمر عبر التاريخ الانساني. 
لقطة السلالم الشهيرة من فيلم "المدرعة بوتومكين" للمخرج السوفييتي ايزنشتاين


و نعود للفكرة الأولى .. للحصول على "صورة متحركة" يجب تمرير 19 صورة في كل ثانية، و هذا يعني بأن ذاكرة "الصورة" بمفهومها المجرد محدودة، هي ليست ذاكرة "لا نهائية" و لهذا تزامن صعود الامبراطورية الامبريالية مع صعود وسائل الاعلام المرئي لتمرير 19 صورة في كل ثانية دوما و طوال الوقت، و زاد عدد هذه الصور ليصل 24 صورة/ثانية، ثم 25 صورة في عصر الديجيتال!!ـ


هم يدركون المهمة جيدا، عليهم تمرير 25 صورة في كل ثانية ليضمنوا استمرار عملية غسيل الأدمغة و توسيعها بأكبر شكل ممكن، و غرقوا في هذه اللعبة كثيرا و نسوا بأن ذاكرة الصورة قصيرة الأمد في نهاية الأمر، و بأن العقل سينسى الصورة السابقة بعد 1/19 جزء من الثانية... و بغض النظر عن العدد الهائل للصور و الأكاذيب التي سيقومون بتمريرها، فإن الحقيقة الراسخة ستبقى مزروعة في الوجدان و ستنتهي كل هذه الصور في مكانها الطبيعي .. مزبلة التاريخ...
بوستر فيلم "الرأسمالية .. قصة حب" للمخرج مايكل مور - 2009


 الجوهر الانساني محفور في الوعي عبر عشرات الالاف من السنين من عمر الانسان على الكوكب.. و بغض النظر عن سباق الصور التي تبثها الامبريالية في كل ثانية، فلا بد من "فرصة" بين الحين و الآخر لتمرير خطاب مختلف، خطاب يلامس الجوهر الانساني للجماهير، و هذا الخطاب أكثر تأثيرا فهو لا يعتمد على ذاكرة قصيرة الأمد، بل يعتمد على حفر في الوجدان لاستنهاض المكنون الانساني للبشر.














بوستر فيلم "وول ستريت .. المال لا ينام" للمخرج الراديكالي اوليفر ستون - 2010  
و سيكون من المفيد التذكير بالمحاولات الجادة و المستمرة لنشر هذا الخطاب في كل الحقول، من الأدب و الفن و الثقافة و السينما و الفلسفة وصولا لحمل السلاح في مجابهة المشروع الشيطاني للامبريالية. و يمكن ايجاد هذه المحاولات في كل بقع العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، مثل حركة "احتلوا وول ستريت" الشجاعة التي قررت تعليق الجرس و قرعه في اللحظة المناسبة تماما. 










و لهذا نقول، علينا البحث الدائم عن "الفرص" لتمرير خطاب آخر، و العمل الجاد على توسيع بؤر الوعي و العقل و المعرفة و القيم الانسانية. هي معركة مستمرة لم تنتهي، و بالرغم من ادراكنا بأن المعركة طويلة، إلا أن ذلك يشد من عزيمتنا لا يضعفها، فنحن لا نبحث عن صورة تبقى في الذاكرة لمدة 1/19 جزء من الثانية، بل نبحث عن معرفة تحفر عميقا في الوجدان الانساني. ـ




من صور حركة احتلوا وول ستريت
فراس محادين
 29 – كانون الثاني - 2012

Friday, January 27, 2012

مشهد



الصورة من قناة الجزيرة يوم 26 كانون الثاني 2012
على شاشة الجزيرة شيخ عجوز يلبس رداء أبيض و يضع غطاء الرأس التقليدي، و الرجل يشبه بشكل ملفت صورة الشهيد عمر المختار، و في الخلفية على يمين الصورة علم جرذان الناتو بشكل يشابه كاريكاتير ناصر الجعفري "للثورة" بدرجة سريالية. التطابق التام يؤكد بأن هذه الصورة تم صناعتها بشكل مقصود تماما وليست عفوية، خصوصا و ان الرجل يتحدث عن المآسي التي يعاني منها بسبب "كتائب القذافي" كما يقول و هو فعليا يتحدث عن حركة المقاومة الليبية (ح. م. ل.). 


أنا لا أستبعد أن يكون المراسل قد أحضره و ألبسه ووضعه في تلك البقعه و طلب منه أن يقول ما يقوله.. الرجل يتحدث عن المآسي التي يعاني منها الشعب الليبي بسبب حركة المقاومة الليبية (ح. م. ل.)،  و هي الحركة التي ولدت حديثا بعد أن لملم الشعب و الجيش الليبي نفسه ليقارع احتلال الناتو و يحرر الأرض من قواعده و قواته المحلية العميلة على الأرض و هي النسخة طبق الأصل عن قوات حكومة سايغون العميلة بقيادة الرجعي مصطفى عبد الجليل، خطيئة القذافي الكبرى.  نود التذكير هنا بأن الشعوب كانت دوما الى جانب المقاومة، و لم تكن يوما الى جانب قوى العمالة و التبعية، و إن كذبوا و فبركوا الصور... و لكن الحقيقة ستظهر في النهاية. 

كاريكاتير ناصر الجعفري 
الصورة (كما الكاريكاتير) هي تشويه للواقع بطريقة مستفزة، قلب للحقائق لاختراق حتى الوجدان!! و في حقيقة الأمر فإن أحفاد عمر المختار الحقيقيين هم حركة المقاومة الليبية (ح. م. ل.)، و نحن في الوقت الذي ننحني فيه أمام هؤلاء الأبطال، إلا أننا ندرك أن أمامهم معركة طويلة و صعبة لتحرير ليبيا و استعادة كرامتهم الوطنية و القومية بعد أن لوثها عملاء الناتو ومؤيديهم.




كما نعتذر منهم، نحن من انجر خلف كذبة الربيع العربي و لم ينتبه الى ديكورات المسرحية واضحة الملامح، كالعلم المشبوه الذي استخدمه العملاء رمزا لفترة الانتداب و تواجد القوات الأمريكية في ليبيا، كما لم ننتبه الى الحماس الأمريكي و الأوروبي لحقوق الانسان و كرامة الانسان الليبي، كان يجب أن نعرف، نحن شعوب الجنوب أن الرجل الأبيض لم يتخلى بعد عن همجيته ووحشيته، كان يجب أن نتعلم من الهنود الحمر أبسط قوانين الطبيعة!!ـ
الشهيد المجاهد عمر المختار 


نرجو أن تعذرونا، فأدواتهم كثيرة، و هم مدججون بالأموال و الغرف السوداء و العملاء و الشاشات و الأقلام و حتى الرسامين. و منهم رسام ذلك الكاريكاتير و غيره، كرسام الكاريكاتير الشهير في الأردن الذي  الذي نعرف تاريخه جيدا، فقد تم شراؤه بعد أن فتحت له مكتبة الكونغرس و استقبله كبار السياسيين في مركز الإمبريالية، و بعد أن عاد فتحت له شركة للانتاج بالاضافة الى الصفحات الأخيرة في أكبر الصحف و أكثرها توزيعا، و من ثم تم ترويجه و تحويله لأيقونة شعبية تجاوزت حتى الحدود القطرية(بضم القاف و تسكين الطاء) ووصلت القطرية (بفتح القاف و الطاء و أشياء أخرى)، و هو يقوم الآن بالتسويق للمشروع الأمريكي في المنطقة بشكل خبيث، حيث يقف على "الحياد" عند التعاطي مع "التدخل الأجنبي" و يشيطن الأنظمة، خصوصا المقاومة للاحتلال و التي تحمل إرادة الاستقلال.

أعذرونا فقد تم استغفالنا لبعض الوقت، و نتمنى ان تتفهموا بأننا نعيش حالة مزرية في عصر الانحطاط  و تحيطنا بؤر العمالة. نحن لا نتملك الكثير، بل لا نمتلك شيئا سوى البحث عن العقل و العلم و المعرفة و الكرامة الانسانية. وهو ما يهدينا في اخر الطريق، و سيكون كل فرد فينا منارة لمن يحيطه، و نؤكد لكم أيها الأبطال بأن دوائر النور تزداد اتساعا يوما بعد الاخر، و عند الانتصار ستكون الجماهير كلها خلفكم، تحييكم و تنحني من أجلكم و تعاهدكم بالحفاظ على الأمة.

من رسومات ناجي العلي
و نحن عدنا الى بوصلتنا لأن وجداننا يحمل رسومات ناجي العلي و حنظلته، هو أنقذنا، لأن موهبته هي الضمير الحقيقي .. و الفن الحقيقي، و نحمد الله لأن لا أحد من هؤلاء العملاء بربع موهبته. و ننتظر الانتصار كما ننتظرك ناجي العلي تتجسد في موهبة أخرى تحفر في وجدان الأجيال القادمة صور الانتصار، و الفرح و قيم الانسانية النبيلة. 



---
فراس محادين

26 كانون الثاني 2012




Sunday, January 22, 2012

تفاح و فراولة



هل جرّب أحدكم عصير تفاح و فراولة؟؟ أنا شخصيا أحب عصير التفاح،  وليس عندي مشكلة مع الفراولة، فقد كنت صغيرا في الثمانينات وكنا نحب العلكة بالفراولة، و لهذا طعم الفراولة يشعرني بأنني طفل. و كما قلت أنا أحب عصير التفاح الآن، في عمري هذا.. و لكن .. عصير تفاح و فراولة؟ الاثنين معا؟
المزيج يفقدك الاحساس بكل طعم بينهم كإحساس مستقل بذاته، و في نفس الوقت تستشعر بكل منهما على حدة دون أن تشعر بشيء جديد، تشعر بأنه مزيج، مزيج غير مريح من الطفولة و الحاضر، بلا أمل.
أخاف ان كررت تلك التجربة بأن اخسر نفسي طفلا يحب الفروالة و أفقد شيئا من الذاكرة، و أخاف أيضا أن أفقد نفسي كشاب يحب عصير التفاح، و أفقد شيء من الحاضر، و هذا المزيج لم يأت بجديد أو أمل.

قررت .. أن لا أشرب عصير تفاح و فراولة مجددا.


فراس محادين
22/1/2012

Friday, January 20, 2012

الفيلم الأمريكي "دخان" للمخرج: واين وانج - 1995


"أنظر بتمهل" يقول (المصور (و صاحب محل البقالة) للروائي،" لن تستطيع رؤية الفكرة و ادراكها دون ان تنظر بتمهل ..لتكتشف الفروقات الصغيرة بين تلك الصور لنفس المكان و نفس الشارع من نفس الزاوية في الساعةالثامنة صباحا من كل يوم!!.. ما هو موجود اليوم لن تجده غدا..  ادراك ذلك يجعلك تدرك جوهر الحياة. هذه التفاصيل و هذه التناقضات، التغير و الحركة هي روح الوجود،و التي جعلتنا نتسائل دائما عن طريقة لادراكها و قياسها كما قام السير والتر رايلي  بقياس وزن الدخان ..ـ  





الفيلم من بطولة الممثل الرائع هارفي كايتل و الذي ساهم بشكل كبير في دعم السينما البديلة في أمريكا، و السينما البديلة هي تيار السينما الجادة ..الأمل بغدٍ إنساني، و هو التيار الذي استمر منذ بداية نشوء السينما و حتى يومنا هذا، منذ شارلي شابلن الثائر الشيوعي و الباحث عن الأنسانية بكل تناقضاتها ..ببكائها و سخريتها و ثورتها في الضحك نفسه!!! و يستمر هذا التيار عبر المخرج الشاب كوينتن تارانتيو الأقرب لستوديوهات هوليوود لإيمانه بفكرة "التغيير من الداخل"، و هي مدرسة المخرجين الكبار مثل كوبولا أو ستانلي كوبريك، كما يستمر تيار السينما البديلة في أمريكا أيضا عبر مخرجين قرروا الابتعاد عن الاستوديوهات و قاموا بالحفر خارج "المنظومة" لانشاء وعي ثوري في السينما و الواقع مثل جيم جارموش و فينسينت جالو و مثل مخرج فيلم (smoke) واين وانج.

عندما نشاهد فيلما من هذا التيار نذكر دائما الجانب الذي نعشق في أمريكا: النساء الثائرات على أبواب المصانع، و مناضلي النقابات الذين استشهدوا من أجل أبسط حقوقهم، من أجل تحديد ساعات العمل بـثمانية ساعات، لتبقى الحركة العمالية دوما الأكثر نضالا و تقدما و أنسانية، لوعيها الحقيقي بقيمة العمل و قيمة المجتمع و قيمة الانسانية، و منذ تلك المعركة عام1886  للحركة العمالية الأمريكية و  يحتفل العمال بيوم العمال العالمي في "5 أيار" المجيد تحية لشهداء الحركة العمالية في أمريكا و العالم أجمع.
كما نذكر أيضا مئات الالاف الذين تظاهروا في شوارع أمريكا لارغام النظام الإمبريالي على الانسحاب من فييتنام دعما للمقاومة الفييتنامية العظيمة، و ابتسامة "جين فوندا" على مضادات الطائرات للفيت كونج.. و ذلك بغض النظر عن تراجعها المشين عن تلك المواقف، تبقى جين فوندا الانسانة في الذاكرة أما الانتهازية فهي درس لنا لفهم قدرة الامبريالية على شراء الضمائر و تحويل الوعي بشكل متناقض مع انسانيته، بل نقول قدرة الامبريالية على تغيير الوعي بشكل كلي و أحلال وعي للعبيد و تقبل للعبودية بدل منه.

في أمريكا نذكر رويات "وليم فوكنر" و "سكوت فيتزجيرالد" و أنا متأكد أن هناك كثيرون غيرهم و بسبب كسلي لم اكتشفهم!! كما ننظر هذه الأيام باحترام شديد للشبان الشجعان في شوارع أمريكا في حركة "احتلوا وول ستريت" لحث الشعوب على النهوض و احتلال الشوارع لمواجهة الإمبريالية المتوحشة.

فيلم (smoke)  تحية حب للسينما نفسها، لحكاية الانسان.. بتواضع شديد للمخرج.. باحترام وحب شديدين لفن السينما، و بكل الجدية في بحثٍ دقيق في الجوانب الجمالية للسينما ..  للصورة.. و للفن.
لا تتحرك الكاميرا الا بحرص شديد، لا مبالغة .. الفنان الحقيقي يدرك بأن لا تعالي و لا استسهال في الفن. مونتاج غاية في الرقة، و في أكثر اللحظات عنفا، في المشهد الذي يقوم فيه الشاب المراهق بإنقاذ الروائي من الدهس، لم يتم استخدام الكثير من اللقطات، لقطتين فقط ثم يتم القطع مباشرة الى بداية الحكاية بينهما.
تستشعر عبقرية الموسيقا من بداية الفيلم، بهدوء شديد، و خلال معظم الفيلم تمر الموسيقى في الخلفية دون ان تشعر بها، و تمرر الجرعات الحسية دون أي فرض.
تركيب معقد للسيناريو و سرد غاية في البساطة، العديد من المستويات للقصة و الشخصيات و الحوار، يعالج في المستوى الأول –القصة– الجانب الانساني المنسي في يوميات الحياة، و يضع "التعاطف الانساني" كقيمة ضامنة لاستمرار الانسان في محيطه المزري تحت سيطرة قيم السوق ورأس المال الشجع، و السؤال الدائم في الفيلم: متى سيدفع الرجل الأبيض الثمن؟ هل يدفع الثمن  فعلا على حساب انسانيته نفسها؟ و هل سيكفر عن الخطايا؟ متى سيفهم بقية الرجال البيض ذلك؟ متى سيفهم الرجل الأبيض بأن "غروره وحساباته البنكية و إرثه الاقطاعي الاستيطاني الاستعماري القاتل" لن يزيده الا ترديا؟ سؤال يتردد تقريبا في كل مشهد من الفيلم. الحل الوحيد أمام الرجل الأبيض و البشرية جمعاء هي "التعاطف الانساني"، هي روح الانسان، التي يمكن قياس وزنها كالدخان تماما!!ـ
الحوار حمل شكلا محددا في كل المشاهد، سخرية جارحة تحمل كما هائلا من الحب، جدلية الحب و الكراهية في جوهرها الانساني. و بالرغم من البساطة الشديدة في الحوار ، و لكنه يحمل في نفس الوقت مستويات متعددة و شديدة التعقيد، و هو ما يمكن ملاحظته في جميع جوانب بناء الفيلم البصرية والدرامية. الملاحظ بأن تطور العلاقة بين الشخصيات الرئيسية كان يتم دائما بمشاهد صامته دون جملة حوار واحدة. الشكل المسرحي في الحوار يذكرنا بروايات فوكنر و العودة للبحث في الدراما المسرحية داخل العمل الروائي. حيث أن الاتقان الشديد في البناء المسرحي كان السبب الرئيسي للحفاظ على سلاسة المشاهد و الابتعاد عن الافتعال و تحقيق التواصل الانساني مع الجمهور. و قد تحقق ذلك تماما سواء في الرواية عند فوكنر و في هذا الفيلم أيضا.
الفيلم جاء في خمسة فصول: المقدمة (حكاية الروائي حول قياس وزن الدخان و من ثم حكايته الشخصية) – الروائي بول – المراهق الأسمر رشيد  - روبي (شبيهة مارلين مونرو بعين واحدة) – سايروس (الأب ذو الخطاف) – الحل (حكاية الميلاد، للمرة الثانية.. و لكن بالصورة هذه المرة)
الشكل الكلاسيكي في السرد، خمسة فصول على ايقاع هوميروس، بحث جدي لجماليات السرد في السينما استنادا للجذور الأولى في الدراما، و شكل كلاسيكي أيضا في الصورة، معظم المشاهد في لقطات طويلة لكاميرا ثابته لا تتحرك الا للضرورة المشهدية، كما استخدمت حركة الكاميرا في بضعة مشاهد قليلة من الفيلم للاقتراب من الممثل و التوحد معه في لحظة "التنور"، احساس مستمر بالحالة الفوتوغرافيه، الحركة داخل الصورة طبيعية جدا و  تحمل ألفة الجلوس في المنزل، و الاحساس الجمالي متقن و يرتكز في التفاصيل دون البحث عن "ابهار" بصري،  فالجمال في الحياة نفسها، في التفاصيل، في الروح التي تحمل الفيلم.
في مقابل الشكل الكلاسيكي في السرد، كان بناء الشخصيات أقرب للشكل "الاسطوري" و إنما في عالمنا المعاصر. في محاولة لتقليد هوميروس عبر الشخصيات الغرائبية و لكن هذه المرة لمخاطبة عقل ما بعد التنوير، عقل التفلزيون و الحروب بالريموت كونترول، البحث عن الغرائيبة هنا مختلف، و أقرب للواقع اليومي و يمكن رؤيته يوما ما في أحد المقاهي أو محلات البقالة، اوجي مثلا، صاحب البقالة الذي اضطر للسرقة من أجل حبيبته، و حكم عليه بالانتساب للجيش الأمريكي  والمشاركة في الحروب بدلا من أن يدخل الكلية، هو يمارس الان هوايته اليومية و يصور صورة واحدة كل يوم الساعة الثامنة صباحا لنفس الشارع من نفس الزواية.  و يعمل في تجارة السيجار الكوبي في الخفاء. و يتكشف وجود ابنة له من حبيبته السابقة (شبيهة مارلين مونرو بعين واحدة)، و يكتشف ان اسمها "فيليستي - السعادة" أكملت العام الثامن عشـر، فيليسيتي تحيا بشكل مزرٍ  و منفصل عن الواقع بشكل كامل في عالم المخدرات. و روبي شبيهة مارلين مونرو و لكن بعين واحدة، تدمن المخدرات و الكذب، و تصارع من أجل ما تبقى في الروح، أخر رمق في انسانيتها. و الأب الذي قتل "الأم" و خسر ذراعه الأيسر، و استبدلها بأخرى من الخردوات و الحديد. و الروائي الذي خسر امرأته و طفله في حادث تسببت فيه الجريمة المنظمة، و خسر مع ذلك نفسه و قدرته على الإبداع.



و في المستوى الثاني للسيناريو، وبتواضع شديد أمام الأدب، يتحدث الفيلم عن الذاكرة و الخيال. شخصية رشيد هي احتفالية بالحياة و العمل والخيال و الابداع.  في الحوارات احتفاء مستمر بالخيال و العقل، الخيال باعتباره اعادة "تركيب" الواقع عبر تجاوز كل الضوابط لحركة التاريخ، و يصبح المكان و الزمان و الاشخاص قيما متغيرة في محيط واحد، المتغير و الثابت هو وحدة الوجود. و هي النتيجة التي اختصرت في الفصل (الخامس) و الأخير من الفيلم بأن مصدر الخيال بأشكاله الأكثر اكتمالا هو الواقع، بجوهره الانساني و تناقضاته. و هي الحقيقة التي اكتشفها الروائي من خلال حكاية الميلاد  و استعاد بذلك قدرته على الابداع عبر اكتشاف هذه الحقيقة تحديدا.
لربما يعتقد البعض أن الفيلم لم يقدم نظرة ثورية بسبب البحث الدائم عن التصالح مع الذات و مع الجوهر الانساني للبشرية، و لم يقدم نظرية الصراع بشكها المجرد و المتجلي في أرض الواقع. و لكن، في حقيقة الأمر الفيلم يقدم نظرية ثورية عبر حفر الوعي نفسه، و البحث عن الجوهر الانساني في أمريكا، مركز الامبريالية المتوحشة بكل تناقضاتها. و يجدر التذكير هنا بالتحذير الذي قدمه الفيلم وتوقعه غزو العراق قبل أن يحدث ذلك بسنوات.

و في المستوى الثالث، يتحدث الفيلم عن السينما نفسها
فيلم في داخل الفيلم، لقطة واحدة لنفس الشارع لنفس الزاوية من كل يوم في الساعة الثامنة صباحا بالضبط .. يوم بعد الاخر..  نفي النفي لرؤية العالم من هذه الزاوية تحديدا، التغير و التبدل في الضوء و المناخ و البشر في تلك اللحظة من كل صباح، لاكتشاف اللامرئي في كل تلك اللقطات، لاكتشاف الوجود نفسه المبني من - و ليس على - هذه التناقضات، وهنا روح السينما، روح الانسان نفسه. و كما يقول الروائي في القصة التي يرويها في المشهد الأول من الفيلم: "عندما تقيس وزن "الدخان" فكأنك تقيس وزن الروح نفسها".
اشارات حب للسينما و للابداع تقاطعت مع البناء الدرامي للمشاهد في البحث عن جوهر الانسانية و الحب ، كما حصل في أحد المشاهد مثلا عندما يقول الروائي للمصور (و صاحب البقالة): كنت أدرك بأنك مجنون، فذلك مرسوم على ملامحك كأضواء النيون المشعة (في اشارة لاضواء النيون على أبواب قاعات السينما)، في تداخل حقيقي وواضح ما بين البعد الانساني المجرد و ما بين الابداع كتجلي لهذا البعد الانساني.
بالاضافة الى التشابه الواضح بين ديكور شقة الروائي في الفيلم مع غرفة البطل في فيلم هيتشكوك الشهير "النافذة الخلفية"، للغرفة نفس النافذة المميزة في رسالة حب و تقدير لفيلم هيتشكوك الذي قدم تجربة مجددة و تقدمية جدا في الفيلم عبر التكنيك الاخراجي و السرد و المستويات المتعددة للسيناريو و العمق الانساني.

هناك مقاربات عدة للعلاقة مع "الأب" في الفيلم، فهناك السخط حد الثورة من الأب والمجتمع و الوجود بأسره، كما هي الفتاة ابنة المصور و روبي، المراهقة التي انفصلت عن العالم تماما، و رشيد، الذي قتل اباه في ذاكرته و هو في حالة الانكار عندما اكتشف وجوده و هرب لعالم الخيال، ما جعله يتحول ليصبح هو "بول بيجامين" - الروائي، في بحثه عن الأب، و في هذه المقاربة لا يبحث عن "قتل" الأب و التخلص من سلطته، هو يرى الأب ذو اليد الواحدة الذي قتل "الأم"، هو الأب الذي يعيش قدره اليومي بالتطهر من تلك الخطيئه عبر يده المقطوعة التي استبدلها بأخرى من "الحديد و الخردة"،   و هو الثمن الذي يدفعه هذا الأب "للحفاظ على توازن الكون" كما يقول الروائي في مشهد البداية للفصل الثاني. والأب هو أيضا اوجي المصور و صاحب البقالة، الذي يوظف شابا "بطئ التعلم" و يحاول ان ينير له الطريق لاكتشاف و فهم الوجود و يكتشف هذا الشاب حقيقة الوجود بشكل "ديني" من خلال سوء فهم بسيط...  اوجي الذي يكتشف فجأة انه أصبح أبا و منذ زمن طويل.. وهو الذي انتحل صفة "الحفيد" و سرق الكاميرا الخاصة به من الجدة العمياء في ليلة الميلاد، هذه الكاميرا التي اكتشف من خلالها روح الوجود، و هي القصة التي انتقلت من فم "المصور" لعين الراوي لينقلها للعالم..ـ
 يبحث الفيلم عن علاقة جديدة مع ذلك الأب .. عن قيم أخرى في الجوهر الانساني. البعد الرومانسي في بناء الفيلم قد يصل حد التصوف، فالبحث عن الانسان، هو بحث عن الروح، روح الوجود بأسره. 

أنصح بمشاهدة الفيلم لمن لا يعرفه، كما أنصح بمشاهدته ثانيا و ثالثا ورابعا لمن شاهده قبل ذلك.



فراس محادين
20/1/2012

Thursday, January 19, 2012

لماذا أقف مع سوريا؟ لليساريين تحديدا



فليعذرني الرفاق في كوريا الشمالية، و لكن من المؤكد بأن الحياة هناك ليست الطموح النهائي و النموذج الحقيقي لمجتمع انساني قادر على تحقيق الاشتراكية العلمية بجوهرها الانساني و الموضوعي. و أنا أتحدث هنا عن المستقبل و ليس الحاضر. في الحاضر نحن نحيي نضالكم الحقيقي، و نقدر هذه الإرادة العظيمة التي سقت الفولاذ فعلا و انتجت جيشا يقارع قوى الامبريالية بأسرها. نقدر هذا الصمود، و نتمنى أن ننجز عشر ما أنجزتم على مستوى التحشيد الشعبي بالحد الأدنى، و نتمنى أيضا أن نصل مرحلة النضال التي وصلتم اليها، و ندرك جيدا انكم تمارسون يوميا جوهر العمل الانساني النبيل. و لكننا، و بالرغم من كل ذلك، نحلم بستقبل آخر، حيث تتقدم الانسانية خطوة حقيقية للأمام، و ليست كالخطوة الزائفة التي خطاها ارمسترونج على سطح القمر في استوديوهات الفبركة الأمريكية، و خصوصا في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ البشرية مع أفول الامبراطورية الامبريالية الأمريكية، و ملاحظة البشائر الأولى لذلك، من انتصار قوى التحرر في أمريكا اللاتينية، الى الهزيمة العسكرية الموضوعية التي لحقت بالامبريالية في العراق، و التي تزامنت مع هزيمة الكيان الصهيوني عامي 2006 و 2008، و هذا الكيان يعتبر أحدى أهم أدواتهم الرئيسية  في الوطن العربي، وصولا للمعركة الحالية  التي تمارسها الامبريالية ضد شعوب الوطن العربي من خلال ادواتها المحلية (الحركات البرتقالية و الاسلام البرتقالي).ـ

 و تقوم هذه الأدوات الآن بتجنيد الجماهير للعمل من أجل مصلحة الشركات متعددة الجنسيات عبر استخدام الخطاب الديني من جانب، و خطاب "الليبراليون الجدد" من جانب آخر، كما يشكل بعض المثقفين اليساريين الذين تم شراء ضمائرهم الاختراق الاكثر خطرا في هذا السياق، و يمكن اختصار مهمتهم العميلة بالكذب على الجماهير و التغطية على جوهر المعركة و محاولة نشر أفكار الليبراليون الجدد بغطاء "يساري" لتعميمه و تحييد الجماهير عن هذه المعركة المفصلية. ـ

أيها الرفاق في كوريا الشمالية و كل العالم، ندرك جيدا بأن ليس لدينا كاسترو، و لكننا ندرك أيضا أن لا وجود للاتحاد السوفييتي الآن، فالمعركة التي قام بها الرفيق غيفارا ضد الامبريالية السوفييتية غير ممكنة الان، و نذكر جميعا بأن الرفاق في الاتحاد السوفييتي، و بالرغم من معركة جيفارا ضدهم، قاموا بتسليح كاستروا بالصورايخ و الدعم المادي و اللوجستي لمواجهة الامبريالية الامريكية. و لهذا نرجو منكم عدم اتهامنا بالانتهازية لانعدام قدرتنا من الأساس على الوصول للمستوى الرومنسي من النضال الذي وصل اليه الرفيق جيفارا. و ذلك لسبب بسيط وواضح، و هو عدم توفر المناخ أو الأدوات الموضوعية لذلك.ـ

 و نود التذكير بأن هناك فرقا شاسعا بين  الاصطفاف الى جانب عصابات "الكونترا" العميلة في بلادنا و بين النضال الثوري لغيفارا و رفاقه. و نحن أيها الرفاق، و في الوقت الذي نشجب فيه الانخراط في عصابات الكونترا المحلية في بلادنا، نلاحظ ان معظم اليساريين ممن يتذرعون بـ "الثورية" في موقفهم الى جانب الامبريالية هم في الحقيقة يدعمون تلك العصابات عبر تقديم الغطاء السياسي و محاولة التبرير الاخلاقي لجرائمهم و عمالتهم، و نستغرب في نفس الوقت عدم استعداد هؤلاء "الثوريين" للعمل على الأرض مع العصابات التي تحدثنا عنها، هم يكتفون باعتلاء المنابر و الاعلام و النضال "الآمن" على المقاهي و البارات أو على أبواب السفارات السورية في أحضان الأنظمة العميلة هنا و هناك.. و هذه الحقيقة وحدها هي مؤشر كافي على "ارتزاق" تلك المجموعات و عدم جديتها، و عدم احقيتها في التحدث عن النضال الثوري من الأساس.ـ

 أيها الرفاق،ـ
نحن الآن نواجه منعطفا خطرا في المعركة ضد الامبريالية المتوحشة في أزمتها الاقتصادية و العسكرية و الايديولوجية و الفكرية و الاخلاقية، و نحن متأكدون من المستوى الهمجي و المجرم للامبريالية في محاولة حماية مصالحها و تمديد هيمنتها على العالم.ـ
نحن نواجه أحد الاحتمالين لا ثالث لهما. و ذلك بحسب ما تفرضه الحسابات العلمية و الموضوعية. الاحتمال الأول هو استمرار الأزمة للامبريالية لتستمر في الأفول و التراجع تدريجيا مما يسمح بتقاسم العالم بشكل أكثر عدلا، و تلك ستكون الخطوة التي تحدثنا عنها لمصلحة الانسانية جمعاء. ـ
و الاحتمال الاخر هو أن ترمم الامبريالية نفسها من خلال السيطرة على خطوط الغاز في العالم، كبديل عن النفط. و نود التنويه هنا الى أن النفط كمصدر للطاقة و الهيمنة على العالم أصبح مهددا لاقتراب نفاذه من جانب، وبسبب سيطرة قوى مقاومة للامبريالية على العديد من هذه المصادر من جانب آخر.ـ

ان نجاح الامبريالية في التعامل مع الأزمة هذه يعني عودة الامبريالية بشكل أكثر بشاعة و قوة. بالاضافة الى أن التحول الايديولوجي أصبح واضح الملامح في المراكز الامبريالية، و التحولات نحو أقصى اليمين أصبحت تعبر عن نفسها بشكل صريح سواء في الخطاب  السياسي المباشر، أو على المستويات الفكرية و الثقافية.  و هذا التحول الايديولوجي في المراكز الامبريالية انعكس بشكل مباشر في الأطراف، حيث اصبحنا نشاهد مجموعات الاسلام البرتقالي تستلم مفاتيح السلطة في دول الأطراف، و هذه المجموعات قد احيطت بمجموعات برتقالية تضمن  السيطرة الفكرية و الثقافية  على من هم خارج دائرة الاسلام البرتقالي. هذه التركيبة الجديدة التي تفرضها الامبريالية هي مؤشر واضح على المخطط الامبريالي لتمديد أزمته و انقاذ نفسه منها. و نزيد على ذلك بأن هذه التركيبة الجديدة ستكون كارثية على كل المستويات الانسانية و الاخلاقية، لادراكنا بأنها ستكون قائمة على نزع القيم المجتعية و تحويل البشر الى سلع في سوق المعارك الدينية و العرقية و الحروب الأهلية المتصارعة في كانتونات  ومجاميع طائفية و دينية و عرقية و مذهبية متناحرة ضعيفة، في محيط الكيان الصهيوني الدولة القوية الضامنة للسيطرة على مشروع "ديك تشيني" لخط الغاز،  و بالتالي  الضامنة لسيطرة الامبريالية على العالم. و هنا نذكر الرفاق بالعلاقة الجدلية بين الصراع مع الصهيونية و الصراع مع الامبريالية حيث تتجلى هذه العلاقة بأكثر أشكالها وضوحا في هذه المعركة تحديدا. و نتمنى أن لا أن لا يخطئ أحد البوصلة. ـ
المعركة مع سوريا أيها الرفاق تأتي في سياق المعركة على خطوط الغاز، و فشل المشروع الأمريكي في سوريا يعني فشل الامبريالية في محاولة ترميم نفسها، و يعني استمرار هذه الامبراطورية في الأفول و التراجع. و يتوقع الكثيرون أن تقوم المراكز الامبريالية بمغامرات اجرامية كاللجوء الى تفجير العالم بأسره في حرب عالمية شاملة، و ندرك خطورة ذلك،  وفي نفس الوقت نعرف بأن احتمال ذلك يتناقص مع صمود شعوب العالم في الدول المواجهة للامبريالية، و بالتزامن مع الضغط الشعبي الذي تقوم به حركة "احتلوا وول ستريت" الذي يدعم معركتنا بشكل جبار. حظوظ الامبريالية في هذه المعركة تتناقص بشكل كبير في عصر هزائمها العسكرية، و نذّكر هنا بأن نتائج انتصار المشروع الامبريالي في إنقاذ نفسه سيكون أكثر كارثية من حرب عالمية شاملة، نحن نتحدث هنا عن مشروع للفوضى و موت الانسان . ـ

و في سياق الكلام أعلاه، نحن مؤمنون بأن الجماهير التي تحتشد في ساحات و ميادين الجمهورية العربية السورية رفضا للمؤامرة و دعما لمشروع المقاومة و اصلاح الدولة و دعما للقيادة السورية هي الجماهير الثورية الحقيقية، و بأن معركتهم هي معركة الأمة العربية و الانسانية جمعاء، و نرى بأن القوى التي تسمي نفسها "معارضة" للنظام السوري، و تقوم بالتنسيق مع المراكز الامبريالية عبر الاسلام البرتقالي و المجموعات البرتقالية هي قوى عميلة وضعت  نفسها في خانة العدو الامبريالي، و هي عدوة الانسانية جمعاء. و قد لامسنا ذلك أيضا سواء في خطابهم السياسي المباشر أو في خطابهم الفكري و الثقافي. ـ
أيها الرفاق، يجب إدراك خطورة المرحلة التاريخية الدقيقة التي نمر بها، و يجب على كل رفيق يجد نفسه في خانة الشعوب المناهضة للامبريالية أن يدرك الدور الهام المطلوب منه. نتمنى أن لا يسيء أحد تقدير خطورة المرحلة. ـ
نحن قد نستطيع تفهم من شعر بالارتباك و بقي على مسافة من المعركة، و نستطيع تفهم من قرر بأن يكون محايدا، و لكننا غير قادرين على تفهم التموقع في الضفة الأخرى من المعركة. ـ
لا يمكن لأي يساري أو ثائر أن يقدم أعذارا أو ذرائع للوقوف بجانب الامبريالية. و من غير الممكن أن يقوم أيضا بدور التحشيد الشعبي و الجماهيري المضاد سواء لتحشيد الجماهير للوقوف بجانب الامبريالية أو لتحييدها من المعركة، ما يحصل في بلادنا هو نسخة طبق الاصل عن محاولة الامبريالية الامريكية نشر الحروب الأهلية و جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية ابان هزيمتها في فييتنام. وهي تحاول تطبيق نفس التكتيكات في بلادنا عبر أدواتها المحلية العميلة. ـ
و كما قلنا من قبل، قد تكون القيادة السورية مختلفة عن قيادات أخرى في دول أكثر ثورية، و هناك من الملاحظات الكثير الكثير. و لكن و في نفس الوقت  هناك تحولات ايجابية و حقيقية باتجاه العدالة الاجتماعية و الاشتراكية  اقترنت بالصمود على الموقف السياسي في المعادلة الاقليمية والدولية،  لامسنا هذه التحولات في الخطاب السياسي المباشر، و في الخطاب الفكري و الثقافي، بالاضافة الى الممارسة الحقيقية من خلال الاصلاحات الاقتصادية و القانونية و السياسية، و نحن نتمنى الجدية و الاسراع في هذه الاصلاحات و ندعم هذا التوجه بشكل كامل، كما ندعم القيادة السورية في موقفها السياسي المشرف. ـ
نحن مع سوريا لأننا نقف في الجانب الصحيح من المعركة، لتخطو الانسانية خطوة كبيرة نحو مستقبل أفضل يتنصر على جشع الامبراطورية الامبريالية.
لجميع الرفاق تحية نضالية، و لننظر معا لغد آخر و مستقبل أكثر عدالة
 فراس محادين
19/كانون الثاني/2012

Sunday, August 21, 2011

إنتظار


كعادته .. جلس أمام صديقه العصفور .. لم يفهم يوما .. و لم يكن مهما أن يفهم من الاساس سر العلاقة بذلك الصديق .. فلم يضعه يوما في قفص .. و كان ذاك يحلق بعيدا ثم يعود .. كان صاحبنا يستمتع بحرقة الانتظار .. و يتنشي باللقاء ... يومها ... نظر اليه العصفور مطولا بلا أي انطباعات ... و طار ... فهل يعود يوما ؟؟