Friday, February 03, 2012

أدب الكتروني

مساء كهربائي -  من تصويري
Nikon F80 35mm, 70-200mm lense (Macro), 400 Plus Kodak Film


كرت
كرت جديد يضاف الى جيوب معطفي، الى جانب الهوية و رخصة القيادة و بعض كروت العناوين لبعض الشخصيات الغير مهمة، كرت جديد لحسابي البنكي الجديد والفارغ حتما بانتظار راتبي الشهري ليعود فارغا بعد فترة ليست طويلة، للدخول في دوامة العمل و الراتب و الديون و التفاصيل الصغيرة، الصغيرة جدا.



"عليك ادخال هذا الرقم مرة واحدة عند أول استخدام للكرت الجديد، و من ثم عليك اختيار رقم سري جديد، احفظه و لا تدونه في أي مكان، و لا تعطيه لأحد، خصوصا عبر البريد الالكتروني أو برامج المحادثة أو الرسائل الهاتفية، و في حال ضياع الكرت عليك الاتصال على أحد الأرقام التالية: ..."

إحفظ الرقم، هكذا يقولون ... تنهدت طويلا و انا أعبر ليل المدينة الباردة.. رقم جديد علي ايجاده.. و حفظه أيضا .. و يجب أن يكون الرقم اعتباطيا تماما دون أي ارتباط بي و بما يجعلني أنا ... ولكن .. هل يعقل ذلك؟!

تنهدت طويلا .. ربما سأستخدم ذكرى لقصة حب عابرة، و لكن .. ربما سأنسى تلك الذكرى أيضا.. فهي عابرة .. هم يطبق على صدري .. وريثما أجد الحل .. سأتجنب تلك الالة قدر استطاعتي

***
سيجارة الكترونية

توقفت عن التدخين لأجل حبيبتي، و رغم كافة الوسائل المتبعة للبقاء بعيدا عن السيجارة ما تزال الرغبة بها دفينة، و ما زلت في حالة مقاومة مستمرة، فالمقاومة بالنسبة لي المنزلة الأرفع في الحب، و أكثرها رقيا، و أصالة، و انسانية.

منذ بضعة أيام جاء أحدهم  و بيده سيجارة الكترونية، لم أصدق في البداية.. و لكنها كانت حقيقية. أثارت فضول أحدهم لدرجة الدهشة، و كانت المحادثة بينهم عن تلك السيجارة طويلة، فهي لا تحترق في الحقيقة و انما تحمل ضوءا أحمرا في مقدمتها يضيء فقط كي تشعرك بأنها تعمل في الحقيقة، ربما لإكمال الطقس .. أو من باب تسويق المنتج ... لا أعرف بالتحديد

و المدهش أكثر هو الدخان الأبيض الذي يخرج من فمك عندما تدخنها، و هو في حقيقته مجرد بخار ... وهم يشابه لعبة الطفولة في الايام الباردة، عندما كنت طفلا كنت اضع  عودا خشبيا صغيرا في فمي ثم أنفخ الهواء الحار من جسدي ليتحول الى بخار يشعرني بنشوة الرجولة.. ذلك كان وهم الطفولة على كل الاحوال..

و يمكنك ايضا استخدام السيجارة الاكترونية أيضا في الطيارة و المكاتب و أينما ذهبت، ليس هناك قوانين تمنعها من الدخول لأية مكان، تضعها في جيبك ببساطة و تخرجها هكذا و في أية وقت و تدخنها قليلا ثم تعود الى الجيب دونما أية أضرار جانبية واضحة و معلنة ...ـ
أنا شخصيا ... سأختار حبيبتي .. لا تلك السيجارة

***

هوية

أحدهم حاول سرقة صفحتي الالكترونية منذ بضعة أيام ...  شعور غريب فعلا، أعرف من حكايات أبي و أصدقاؤه الذين أصبحوا أصدقائي أنا أيضا بأن "المناضلين" في الفترة الماضية كانوا يخشون العسس لخوفهم من اختراق حياتهم الخاصة، و تفاصيلهم الحميمة و غير الحميمة...

ما أشعر به يختلف عن ذلك .. و صفحتي الالكترونية لا تحمل تفاصيلا حميمة على كل الاحوال ... ما شعرت به كان شيء اخر .. و كأن هناك من حاول أن يسرق حقي في الوجود .. تلك الصفحة لم تكن سوى انعكاس ما لوجودي ... و بغض النظر عن أهمية ذلك الانعكاس عموما .. و لكنه حتما  جزء من ذلك الوجود.

ربما تشابه تلك التجربة من وقف بمواجهة كاتم الصوت يوما، سواء استطاع النجاة أم لا... في تلك اللحظة تحديدا تدرك بأن هناك من يغتالك، و يحرمك حقك في الوجود...

و لكنني أعاود نفسي و أقول ... نحن نتحدث عن انعكاس ما لوجودي، لا لحقيقته، و لذلك ... أعتقد أن التجربة تشابه من وقف بمواجهة كاتم الصوت في حلمه.. لا أكثر ..ـ

***
خاتمة

توقفت عن استخدام القلم إلا ما ندر في الفترة الأخيرة، لا أستخدمه حتى للكتابة!!ـ

اتساءل دوما حول شكل الأدب في الفترة القادمة، هل سيكتب الناس عن برامج التلفزيون أو صفحات الانترنت أو ملاحقة التقنيات الحديثة؟

هل نعيش هذه الأيام "الفترة القادمة" دون أن ندرك ذلك .. أو نعترف به بالحد الأدنى؟؟

ما الذي يحصل عندما يهدم الجدار العازل بين الحلم و الحقيقة، و يصبح الحلم هو الحقيقة؟

هل أصبح الحلم هو الحقيقية؟ أم الحقيقة أصبحت الحلم؟

  هل نستيقظ؟

***



فراس محادين
2 – 2 - 2012


Monday, January 30, 2012

لعبة الصورة

 الأخوين لوميير
مخترعي آلة التصوير السينمائي

سأبدأ الكلام بالاكتشاف الذي توصل اليه رواد السينما في بدايات القرن، الاكتشاف هو قدرة العين على تخزين الصورة لمدة محددة كي يقوم الدماغ بتحليلها و فهمها، و هذه المدة هي 1/19 من الثانية، و بالتالي ان مررت 19 صورة متتالية أمام عين الانسان المجردة خلال ثانية واحدة فستكون له القدرة على رؤية صورة متحركة، هذا هو المفهوم الأساسي  الذي تشكلت لغة السينماعلى أساسه






لقطة القطار الشهيرة في بدايات السينما للأخوين لوميير
و قام بعد ذلك السينمائيون السوفييت (مثل ايزنشتاين و بودوفكين) بالبحث بشكل أكثر عمقا عن الكامن في هذه اللغة، و ارتكزوا الى الديالكتيك الماركسي للوصول لتركيبات أكثر تعقيدا عبر تمرير صور مختلفة في الشريط السينمائي لايصال الفكرة عبر تنوع الصور لخلق معان جديدة تعتمد على المخزون الثقافي و الانساني للعقل، و هو ما نقل السينما الى مستوى اخر يحفر في الوجدان و يستمر عبر التاريخ الانساني. 
لقطة السلالم الشهيرة من فيلم "المدرعة بوتومكين" للمخرج السوفييتي ايزنشتاين


و نعود للفكرة الأولى .. للحصول على "صورة متحركة" يجب تمرير 19 صورة في كل ثانية، و هذا يعني بأن ذاكرة "الصورة" بمفهومها المجرد محدودة، هي ليست ذاكرة "لا نهائية" و لهذا تزامن صعود الامبراطورية الامبريالية مع صعود وسائل الاعلام المرئي لتمرير 19 صورة في كل ثانية دوما و طوال الوقت، و زاد عدد هذه الصور ليصل 24 صورة/ثانية، ثم 25 صورة في عصر الديجيتال!!ـ


هم يدركون المهمة جيدا، عليهم تمرير 25 صورة في كل ثانية ليضمنوا استمرار عملية غسيل الأدمغة و توسيعها بأكبر شكل ممكن، و غرقوا في هذه اللعبة كثيرا و نسوا بأن ذاكرة الصورة قصيرة الأمد في نهاية الأمر، و بأن العقل سينسى الصورة السابقة بعد 1/19 جزء من الثانية... و بغض النظر عن العدد الهائل للصور و الأكاذيب التي سيقومون بتمريرها، فإن الحقيقة الراسخة ستبقى مزروعة في الوجدان و ستنتهي كل هذه الصور في مكانها الطبيعي .. مزبلة التاريخ...
بوستر فيلم "الرأسمالية .. قصة حب" للمخرج مايكل مور - 2009


 الجوهر الانساني محفور في الوعي عبر عشرات الالاف من السنين من عمر الانسان على الكوكب.. و بغض النظر عن سباق الصور التي تبثها الامبريالية في كل ثانية، فلا بد من "فرصة" بين الحين و الآخر لتمرير خطاب مختلف، خطاب يلامس الجوهر الانساني للجماهير، و هذا الخطاب أكثر تأثيرا فهو لا يعتمد على ذاكرة قصيرة الأمد، بل يعتمد على حفر في الوجدان لاستنهاض المكنون الانساني للبشر.














بوستر فيلم "وول ستريت .. المال لا ينام" للمخرج الراديكالي اوليفر ستون - 2010  
و سيكون من المفيد التذكير بالمحاولات الجادة و المستمرة لنشر هذا الخطاب في كل الحقول، من الأدب و الفن و الثقافة و السينما و الفلسفة وصولا لحمل السلاح في مجابهة المشروع الشيطاني للامبريالية. و يمكن ايجاد هذه المحاولات في كل بقع العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، مثل حركة "احتلوا وول ستريت" الشجاعة التي قررت تعليق الجرس و قرعه في اللحظة المناسبة تماما. 










و لهذا نقول، علينا البحث الدائم عن "الفرص" لتمرير خطاب آخر، و العمل الجاد على توسيع بؤر الوعي و العقل و المعرفة و القيم الانسانية. هي معركة مستمرة لم تنتهي، و بالرغم من ادراكنا بأن المعركة طويلة، إلا أن ذلك يشد من عزيمتنا لا يضعفها، فنحن لا نبحث عن صورة تبقى في الذاكرة لمدة 1/19 جزء من الثانية، بل نبحث عن معرفة تحفر عميقا في الوجدان الانساني. ـ




من صور حركة احتلوا وول ستريت
فراس محادين
 29 – كانون الثاني - 2012

Friday, January 27, 2012

مشهد



الصورة من قناة الجزيرة يوم 26 كانون الثاني 2012
على شاشة الجزيرة شيخ عجوز يلبس رداء أبيض و يضع غطاء الرأس التقليدي، و الرجل يشبه بشكل ملفت صورة الشهيد عمر المختار، و في الخلفية على يمين الصورة علم جرذان الناتو بشكل يشابه كاريكاتير ناصر الجعفري "للثورة" بدرجة سريالية. التطابق التام يؤكد بأن هذه الصورة تم صناعتها بشكل مقصود تماما وليست عفوية، خصوصا و ان الرجل يتحدث عن المآسي التي يعاني منها بسبب "كتائب القذافي" كما يقول و هو فعليا يتحدث عن حركة المقاومة الليبية (ح. م. ل.). 


أنا لا أستبعد أن يكون المراسل قد أحضره و ألبسه ووضعه في تلك البقعه و طلب منه أن يقول ما يقوله.. الرجل يتحدث عن المآسي التي يعاني منها الشعب الليبي بسبب حركة المقاومة الليبية (ح. م. ل.)،  و هي الحركة التي ولدت حديثا بعد أن لملم الشعب و الجيش الليبي نفسه ليقارع احتلال الناتو و يحرر الأرض من قواعده و قواته المحلية العميلة على الأرض و هي النسخة طبق الأصل عن قوات حكومة سايغون العميلة بقيادة الرجعي مصطفى عبد الجليل، خطيئة القذافي الكبرى.  نود التذكير هنا بأن الشعوب كانت دوما الى جانب المقاومة، و لم تكن يوما الى جانب قوى العمالة و التبعية، و إن كذبوا و فبركوا الصور... و لكن الحقيقة ستظهر في النهاية. 

كاريكاتير ناصر الجعفري 
الصورة (كما الكاريكاتير) هي تشويه للواقع بطريقة مستفزة، قلب للحقائق لاختراق حتى الوجدان!! و في حقيقة الأمر فإن أحفاد عمر المختار الحقيقيين هم حركة المقاومة الليبية (ح. م. ل.)، و نحن في الوقت الذي ننحني فيه أمام هؤلاء الأبطال، إلا أننا ندرك أن أمامهم معركة طويلة و صعبة لتحرير ليبيا و استعادة كرامتهم الوطنية و القومية بعد أن لوثها عملاء الناتو ومؤيديهم.




كما نعتذر منهم، نحن من انجر خلف كذبة الربيع العربي و لم ينتبه الى ديكورات المسرحية واضحة الملامح، كالعلم المشبوه الذي استخدمه العملاء رمزا لفترة الانتداب و تواجد القوات الأمريكية في ليبيا، كما لم ننتبه الى الحماس الأمريكي و الأوروبي لحقوق الانسان و كرامة الانسان الليبي، كان يجب أن نعرف، نحن شعوب الجنوب أن الرجل الأبيض لم يتخلى بعد عن همجيته ووحشيته، كان يجب أن نتعلم من الهنود الحمر أبسط قوانين الطبيعة!!ـ
الشهيد المجاهد عمر المختار 


نرجو أن تعذرونا، فأدواتهم كثيرة، و هم مدججون بالأموال و الغرف السوداء و العملاء و الشاشات و الأقلام و حتى الرسامين. و منهم رسام ذلك الكاريكاتير و غيره، كرسام الكاريكاتير الشهير في الأردن الذي  الذي نعرف تاريخه جيدا، فقد تم شراؤه بعد أن فتحت له مكتبة الكونغرس و استقبله كبار السياسيين في مركز الإمبريالية، و بعد أن عاد فتحت له شركة للانتاج بالاضافة الى الصفحات الأخيرة في أكبر الصحف و أكثرها توزيعا، و من ثم تم ترويجه و تحويله لأيقونة شعبية تجاوزت حتى الحدود القطرية(بضم القاف و تسكين الطاء) ووصلت القطرية (بفتح القاف و الطاء و أشياء أخرى)، و هو يقوم الآن بالتسويق للمشروع الأمريكي في المنطقة بشكل خبيث، حيث يقف على "الحياد" عند التعاطي مع "التدخل الأجنبي" و يشيطن الأنظمة، خصوصا المقاومة للاحتلال و التي تحمل إرادة الاستقلال.

أعذرونا فقد تم استغفالنا لبعض الوقت، و نتمنى ان تتفهموا بأننا نعيش حالة مزرية في عصر الانحطاط  و تحيطنا بؤر العمالة. نحن لا نتملك الكثير، بل لا نمتلك شيئا سوى البحث عن العقل و العلم و المعرفة و الكرامة الانسانية. وهو ما يهدينا في اخر الطريق، و سيكون كل فرد فينا منارة لمن يحيطه، و نؤكد لكم أيها الأبطال بأن دوائر النور تزداد اتساعا يوما بعد الاخر، و عند الانتصار ستكون الجماهير كلها خلفكم، تحييكم و تنحني من أجلكم و تعاهدكم بالحفاظ على الأمة.

من رسومات ناجي العلي
و نحن عدنا الى بوصلتنا لأن وجداننا يحمل رسومات ناجي العلي و حنظلته، هو أنقذنا، لأن موهبته هي الضمير الحقيقي .. و الفن الحقيقي، و نحمد الله لأن لا أحد من هؤلاء العملاء بربع موهبته. و ننتظر الانتصار كما ننتظرك ناجي العلي تتجسد في موهبة أخرى تحفر في وجدان الأجيال القادمة صور الانتصار، و الفرح و قيم الانسانية النبيلة. 



---
فراس محادين

26 كانون الثاني 2012




Sunday, January 22, 2012

تفاح و فراولة



هل جرّب أحدكم عصير تفاح و فراولة؟؟ أنا شخصيا أحب عصير التفاح،  وليس عندي مشكلة مع الفراولة، فقد كنت صغيرا في الثمانينات وكنا نحب العلكة بالفراولة، و لهذا طعم الفراولة يشعرني بأنني طفل. و كما قلت أنا أحب عصير التفاح الآن، في عمري هذا.. و لكن .. عصير تفاح و فراولة؟ الاثنين معا؟
المزيج يفقدك الاحساس بكل طعم بينهم كإحساس مستقل بذاته، و في نفس الوقت تستشعر بكل منهما على حدة دون أن تشعر بشيء جديد، تشعر بأنه مزيج، مزيج غير مريح من الطفولة و الحاضر، بلا أمل.
أخاف ان كررت تلك التجربة بأن اخسر نفسي طفلا يحب الفروالة و أفقد شيئا من الذاكرة، و أخاف أيضا أن أفقد نفسي كشاب يحب عصير التفاح، و أفقد شيء من الحاضر، و هذا المزيج لم يأت بجديد أو أمل.

قررت .. أن لا أشرب عصير تفاح و فراولة مجددا.


فراس محادين
22/1/2012

Friday, January 20, 2012

الفيلم الأمريكي "دخان" للمخرج: واين وانج - 1995


"أنظر بتمهل" يقول (المصور (و صاحب محل البقالة) للروائي،" لن تستطيع رؤية الفكرة و ادراكها دون ان تنظر بتمهل ..لتكتشف الفروقات الصغيرة بين تلك الصور لنفس المكان و نفس الشارع من نفس الزاوية في الساعةالثامنة صباحا من كل يوم!!.. ما هو موجود اليوم لن تجده غدا..  ادراك ذلك يجعلك تدرك جوهر الحياة. هذه التفاصيل و هذه التناقضات، التغير و الحركة هي روح الوجود،و التي جعلتنا نتسائل دائما عن طريقة لادراكها و قياسها كما قام السير والتر رايلي  بقياس وزن الدخان ..ـ  





الفيلم من بطولة الممثل الرائع هارفي كايتل و الذي ساهم بشكل كبير في دعم السينما البديلة في أمريكا، و السينما البديلة هي تيار السينما الجادة ..الأمل بغدٍ إنساني، و هو التيار الذي استمر منذ بداية نشوء السينما و حتى يومنا هذا، منذ شارلي شابلن الثائر الشيوعي و الباحث عن الأنسانية بكل تناقضاتها ..ببكائها و سخريتها و ثورتها في الضحك نفسه!!! و يستمر هذا التيار عبر المخرج الشاب كوينتن تارانتيو الأقرب لستوديوهات هوليوود لإيمانه بفكرة "التغيير من الداخل"، و هي مدرسة المخرجين الكبار مثل كوبولا أو ستانلي كوبريك، كما يستمر تيار السينما البديلة في أمريكا أيضا عبر مخرجين قرروا الابتعاد عن الاستوديوهات و قاموا بالحفر خارج "المنظومة" لانشاء وعي ثوري في السينما و الواقع مثل جيم جارموش و فينسينت جالو و مثل مخرج فيلم (smoke) واين وانج.

عندما نشاهد فيلما من هذا التيار نذكر دائما الجانب الذي نعشق في أمريكا: النساء الثائرات على أبواب المصانع، و مناضلي النقابات الذين استشهدوا من أجل أبسط حقوقهم، من أجل تحديد ساعات العمل بـثمانية ساعات، لتبقى الحركة العمالية دوما الأكثر نضالا و تقدما و أنسانية، لوعيها الحقيقي بقيمة العمل و قيمة المجتمع و قيمة الانسانية، و منذ تلك المعركة عام1886  للحركة العمالية الأمريكية و  يحتفل العمال بيوم العمال العالمي في "5 أيار" المجيد تحية لشهداء الحركة العمالية في أمريكا و العالم أجمع.
كما نذكر أيضا مئات الالاف الذين تظاهروا في شوارع أمريكا لارغام النظام الإمبريالي على الانسحاب من فييتنام دعما للمقاومة الفييتنامية العظيمة، و ابتسامة "جين فوندا" على مضادات الطائرات للفيت كونج.. و ذلك بغض النظر عن تراجعها المشين عن تلك المواقف، تبقى جين فوندا الانسانة في الذاكرة أما الانتهازية فهي درس لنا لفهم قدرة الامبريالية على شراء الضمائر و تحويل الوعي بشكل متناقض مع انسانيته، بل نقول قدرة الامبريالية على تغيير الوعي بشكل كلي و أحلال وعي للعبيد و تقبل للعبودية بدل منه.

في أمريكا نذكر رويات "وليم فوكنر" و "سكوت فيتزجيرالد" و أنا متأكد أن هناك كثيرون غيرهم و بسبب كسلي لم اكتشفهم!! كما ننظر هذه الأيام باحترام شديد للشبان الشجعان في شوارع أمريكا في حركة "احتلوا وول ستريت" لحث الشعوب على النهوض و احتلال الشوارع لمواجهة الإمبريالية المتوحشة.

فيلم (smoke)  تحية حب للسينما نفسها، لحكاية الانسان.. بتواضع شديد للمخرج.. باحترام وحب شديدين لفن السينما، و بكل الجدية في بحثٍ دقيق في الجوانب الجمالية للسينما ..  للصورة.. و للفن.
لا تتحرك الكاميرا الا بحرص شديد، لا مبالغة .. الفنان الحقيقي يدرك بأن لا تعالي و لا استسهال في الفن. مونتاج غاية في الرقة، و في أكثر اللحظات عنفا، في المشهد الذي يقوم فيه الشاب المراهق بإنقاذ الروائي من الدهس، لم يتم استخدام الكثير من اللقطات، لقطتين فقط ثم يتم القطع مباشرة الى بداية الحكاية بينهما.
تستشعر عبقرية الموسيقا من بداية الفيلم، بهدوء شديد، و خلال معظم الفيلم تمر الموسيقى في الخلفية دون ان تشعر بها، و تمرر الجرعات الحسية دون أي فرض.
تركيب معقد للسيناريو و سرد غاية في البساطة، العديد من المستويات للقصة و الشخصيات و الحوار، يعالج في المستوى الأول –القصة– الجانب الانساني المنسي في يوميات الحياة، و يضع "التعاطف الانساني" كقيمة ضامنة لاستمرار الانسان في محيطه المزري تحت سيطرة قيم السوق ورأس المال الشجع، و السؤال الدائم في الفيلم: متى سيدفع الرجل الأبيض الثمن؟ هل يدفع الثمن  فعلا على حساب انسانيته نفسها؟ و هل سيكفر عن الخطايا؟ متى سيفهم بقية الرجال البيض ذلك؟ متى سيفهم الرجل الأبيض بأن "غروره وحساباته البنكية و إرثه الاقطاعي الاستيطاني الاستعماري القاتل" لن يزيده الا ترديا؟ سؤال يتردد تقريبا في كل مشهد من الفيلم. الحل الوحيد أمام الرجل الأبيض و البشرية جمعاء هي "التعاطف الانساني"، هي روح الانسان، التي يمكن قياس وزنها كالدخان تماما!!ـ
الحوار حمل شكلا محددا في كل المشاهد، سخرية جارحة تحمل كما هائلا من الحب، جدلية الحب و الكراهية في جوهرها الانساني. و بالرغم من البساطة الشديدة في الحوار ، و لكنه يحمل في نفس الوقت مستويات متعددة و شديدة التعقيد، و هو ما يمكن ملاحظته في جميع جوانب بناء الفيلم البصرية والدرامية. الملاحظ بأن تطور العلاقة بين الشخصيات الرئيسية كان يتم دائما بمشاهد صامته دون جملة حوار واحدة. الشكل المسرحي في الحوار يذكرنا بروايات فوكنر و العودة للبحث في الدراما المسرحية داخل العمل الروائي. حيث أن الاتقان الشديد في البناء المسرحي كان السبب الرئيسي للحفاظ على سلاسة المشاهد و الابتعاد عن الافتعال و تحقيق التواصل الانساني مع الجمهور. و قد تحقق ذلك تماما سواء في الرواية عند فوكنر و في هذا الفيلم أيضا.
الفيلم جاء في خمسة فصول: المقدمة (حكاية الروائي حول قياس وزن الدخان و من ثم حكايته الشخصية) – الروائي بول – المراهق الأسمر رشيد  - روبي (شبيهة مارلين مونرو بعين واحدة) – سايروس (الأب ذو الخطاف) – الحل (حكاية الميلاد، للمرة الثانية.. و لكن بالصورة هذه المرة)
الشكل الكلاسيكي في السرد، خمسة فصول على ايقاع هوميروس، بحث جدي لجماليات السرد في السينما استنادا للجذور الأولى في الدراما، و شكل كلاسيكي أيضا في الصورة، معظم المشاهد في لقطات طويلة لكاميرا ثابته لا تتحرك الا للضرورة المشهدية، كما استخدمت حركة الكاميرا في بضعة مشاهد قليلة من الفيلم للاقتراب من الممثل و التوحد معه في لحظة "التنور"، احساس مستمر بالحالة الفوتوغرافيه، الحركة داخل الصورة طبيعية جدا و  تحمل ألفة الجلوس في المنزل، و الاحساس الجمالي متقن و يرتكز في التفاصيل دون البحث عن "ابهار" بصري،  فالجمال في الحياة نفسها، في التفاصيل، في الروح التي تحمل الفيلم.
في مقابل الشكل الكلاسيكي في السرد، كان بناء الشخصيات أقرب للشكل "الاسطوري" و إنما في عالمنا المعاصر. في محاولة لتقليد هوميروس عبر الشخصيات الغرائبية و لكن هذه المرة لمخاطبة عقل ما بعد التنوير، عقل التفلزيون و الحروب بالريموت كونترول، البحث عن الغرائيبة هنا مختلف، و أقرب للواقع اليومي و يمكن رؤيته يوما ما في أحد المقاهي أو محلات البقالة، اوجي مثلا، صاحب البقالة الذي اضطر للسرقة من أجل حبيبته، و حكم عليه بالانتساب للجيش الأمريكي  والمشاركة في الحروب بدلا من أن يدخل الكلية، هو يمارس الان هوايته اليومية و يصور صورة واحدة كل يوم الساعة الثامنة صباحا لنفس الشارع من نفس الزواية.  و يعمل في تجارة السيجار الكوبي في الخفاء. و يتكشف وجود ابنة له من حبيبته السابقة (شبيهة مارلين مونرو بعين واحدة)، و يكتشف ان اسمها "فيليستي - السعادة" أكملت العام الثامن عشـر، فيليسيتي تحيا بشكل مزرٍ  و منفصل عن الواقع بشكل كامل في عالم المخدرات. و روبي شبيهة مارلين مونرو و لكن بعين واحدة، تدمن المخدرات و الكذب، و تصارع من أجل ما تبقى في الروح، أخر رمق في انسانيتها. و الأب الذي قتل "الأم" و خسر ذراعه الأيسر، و استبدلها بأخرى من الخردوات و الحديد. و الروائي الذي خسر امرأته و طفله في حادث تسببت فيه الجريمة المنظمة، و خسر مع ذلك نفسه و قدرته على الإبداع.



و في المستوى الثاني للسيناريو، وبتواضع شديد أمام الأدب، يتحدث الفيلم عن الذاكرة و الخيال. شخصية رشيد هي احتفالية بالحياة و العمل والخيال و الابداع.  في الحوارات احتفاء مستمر بالخيال و العقل، الخيال باعتباره اعادة "تركيب" الواقع عبر تجاوز كل الضوابط لحركة التاريخ، و يصبح المكان و الزمان و الاشخاص قيما متغيرة في محيط واحد، المتغير و الثابت هو وحدة الوجود. و هي النتيجة التي اختصرت في الفصل (الخامس) و الأخير من الفيلم بأن مصدر الخيال بأشكاله الأكثر اكتمالا هو الواقع، بجوهره الانساني و تناقضاته. و هي الحقيقة التي اكتشفها الروائي من خلال حكاية الميلاد  و استعاد بذلك قدرته على الابداع عبر اكتشاف هذه الحقيقة تحديدا.
لربما يعتقد البعض أن الفيلم لم يقدم نظرة ثورية بسبب البحث الدائم عن التصالح مع الذات و مع الجوهر الانساني للبشرية، و لم يقدم نظرية الصراع بشكها المجرد و المتجلي في أرض الواقع. و لكن، في حقيقة الأمر الفيلم يقدم نظرية ثورية عبر حفر الوعي نفسه، و البحث عن الجوهر الانساني في أمريكا، مركز الامبريالية المتوحشة بكل تناقضاتها. و يجدر التذكير هنا بالتحذير الذي قدمه الفيلم وتوقعه غزو العراق قبل أن يحدث ذلك بسنوات.

و في المستوى الثالث، يتحدث الفيلم عن السينما نفسها
فيلم في داخل الفيلم، لقطة واحدة لنفس الشارع لنفس الزاوية من كل يوم في الساعة الثامنة صباحا بالضبط .. يوم بعد الاخر..  نفي النفي لرؤية العالم من هذه الزاوية تحديدا، التغير و التبدل في الضوء و المناخ و البشر في تلك اللحظة من كل صباح، لاكتشاف اللامرئي في كل تلك اللقطات، لاكتشاف الوجود نفسه المبني من - و ليس على - هذه التناقضات، وهنا روح السينما، روح الانسان نفسه. و كما يقول الروائي في القصة التي يرويها في المشهد الأول من الفيلم: "عندما تقيس وزن "الدخان" فكأنك تقيس وزن الروح نفسها".
اشارات حب للسينما و للابداع تقاطعت مع البناء الدرامي للمشاهد في البحث عن جوهر الانسانية و الحب ، كما حصل في أحد المشاهد مثلا عندما يقول الروائي للمصور (و صاحب البقالة): كنت أدرك بأنك مجنون، فذلك مرسوم على ملامحك كأضواء النيون المشعة (في اشارة لاضواء النيون على أبواب قاعات السينما)، في تداخل حقيقي وواضح ما بين البعد الانساني المجرد و ما بين الابداع كتجلي لهذا البعد الانساني.
بالاضافة الى التشابه الواضح بين ديكور شقة الروائي في الفيلم مع غرفة البطل في فيلم هيتشكوك الشهير "النافذة الخلفية"، للغرفة نفس النافذة المميزة في رسالة حب و تقدير لفيلم هيتشكوك الذي قدم تجربة مجددة و تقدمية جدا في الفيلم عبر التكنيك الاخراجي و السرد و المستويات المتعددة للسيناريو و العمق الانساني.

هناك مقاربات عدة للعلاقة مع "الأب" في الفيلم، فهناك السخط حد الثورة من الأب والمجتمع و الوجود بأسره، كما هي الفتاة ابنة المصور و روبي، المراهقة التي انفصلت عن العالم تماما، و رشيد، الذي قتل اباه في ذاكرته و هو في حالة الانكار عندما اكتشف وجوده و هرب لعالم الخيال، ما جعله يتحول ليصبح هو "بول بيجامين" - الروائي، في بحثه عن الأب، و في هذه المقاربة لا يبحث عن "قتل" الأب و التخلص من سلطته، هو يرى الأب ذو اليد الواحدة الذي قتل "الأم"، هو الأب الذي يعيش قدره اليومي بالتطهر من تلك الخطيئه عبر يده المقطوعة التي استبدلها بأخرى من "الحديد و الخردة"،   و هو الثمن الذي يدفعه هذا الأب "للحفاظ على توازن الكون" كما يقول الروائي في مشهد البداية للفصل الثاني. والأب هو أيضا اوجي المصور و صاحب البقالة، الذي يوظف شابا "بطئ التعلم" و يحاول ان ينير له الطريق لاكتشاف و فهم الوجود و يكتشف هذا الشاب حقيقة الوجود بشكل "ديني" من خلال سوء فهم بسيط...  اوجي الذي يكتشف فجأة انه أصبح أبا و منذ زمن طويل.. وهو الذي انتحل صفة "الحفيد" و سرق الكاميرا الخاصة به من الجدة العمياء في ليلة الميلاد، هذه الكاميرا التي اكتشف من خلالها روح الوجود، و هي القصة التي انتقلت من فم "المصور" لعين الراوي لينقلها للعالم..ـ
 يبحث الفيلم عن علاقة جديدة مع ذلك الأب .. عن قيم أخرى في الجوهر الانساني. البعد الرومانسي في بناء الفيلم قد يصل حد التصوف، فالبحث عن الانسان، هو بحث عن الروح، روح الوجود بأسره. 

أنصح بمشاهدة الفيلم لمن لا يعرفه، كما أنصح بمشاهدته ثانيا و ثالثا ورابعا لمن شاهده قبل ذلك.



فراس محادين
20/1/2012

Thursday, January 19, 2012

لماذا أقف مع سوريا؟ لليساريين تحديدا



فليعذرني الرفاق في كوريا الشمالية، و لكن من المؤكد بأن الحياة هناك ليست الطموح النهائي و النموذج الحقيقي لمجتمع انساني قادر على تحقيق الاشتراكية العلمية بجوهرها الانساني و الموضوعي. و أنا أتحدث هنا عن المستقبل و ليس الحاضر. في الحاضر نحن نحيي نضالكم الحقيقي، و نقدر هذه الإرادة العظيمة التي سقت الفولاذ فعلا و انتجت جيشا يقارع قوى الامبريالية بأسرها. نقدر هذا الصمود، و نتمنى أن ننجز عشر ما أنجزتم على مستوى التحشيد الشعبي بالحد الأدنى، و نتمنى أيضا أن نصل مرحلة النضال التي وصلتم اليها، و ندرك جيدا انكم تمارسون يوميا جوهر العمل الانساني النبيل. و لكننا، و بالرغم من كل ذلك، نحلم بستقبل آخر، حيث تتقدم الانسانية خطوة حقيقية للأمام، و ليست كالخطوة الزائفة التي خطاها ارمسترونج على سطح القمر في استوديوهات الفبركة الأمريكية، و خصوصا في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ البشرية مع أفول الامبراطورية الامبريالية الأمريكية، و ملاحظة البشائر الأولى لذلك، من انتصار قوى التحرر في أمريكا اللاتينية، الى الهزيمة العسكرية الموضوعية التي لحقت بالامبريالية في العراق، و التي تزامنت مع هزيمة الكيان الصهيوني عامي 2006 و 2008، و هذا الكيان يعتبر أحدى أهم أدواتهم الرئيسية  في الوطن العربي، وصولا للمعركة الحالية  التي تمارسها الامبريالية ضد شعوب الوطن العربي من خلال ادواتها المحلية (الحركات البرتقالية و الاسلام البرتقالي).ـ

 و تقوم هذه الأدوات الآن بتجنيد الجماهير للعمل من أجل مصلحة الشركات متعددة الجنسيات عبر استخدام الخطاب الديني من جانب، و خطاب "الليبراليون الجدد" من جانب آخر، كما يشكل بعض المثقفين اليساريين الذين تم شراء ضمائرهم الاختراق الاكثر خطرا في هذا السياق، و يمكن اختصار مهمتهم العميلة بالكذب على الجماهير و التغطية على جوهر المعركة و محاولة نشر أفكار الليبراليون الجدد بغطاء "يساري" لتعميمه و تحييد الجماهير عن هذه المعركة المفصلية. ـ

أيها الرفاق في كوريا الشمالية و كل العالم، ندرك جيدا بأن ليس لدينا كاسترو، و لكننا ندرك أيضا أن لا وجود للاتحاد السوفييتي الآن، فالمعركة التي قام بها الرفيق غيفارا ضد الامبريالية السوفييتية غير ممكنة الان، و نذكر جميعا بأن الرفاق في الاتحاد السوفييتي، و بالرغم من معركة جيفارا ضدهم، قاموا بتسليح كاستروا بالصورايخ و الدعم المادي و اللوجستي لمواجهة الامبريالية الامريكية. و لهذا نرجو منكم عدم اتهامنا بالانتهازية لانعدام قدرتنا من الأساس على الوصول للمستوى الرومنسي من النضال الذي وصل اليه الرفيق جيفارا. و ذلك لسبب بسيط وواضح، و هو عدم توفر المناخ أو الأدوات الموضوعية لذلك.ـ

 و نود التذكير بأن هناك فرقا شاسعا بين  الاصطفاف الى جانب عصابات "الكونترا" العميلة في بلادنا و بين النضال الثوري لغيفارا و رفاقه. و نحن أيها الرفاق، و في الوقت الذي نشجب فيه الانخراط في عصابات الكونترا المحلية في بلادنا، نلاحظ ان معظم اليساريين ممن يتذرعون بـ "الثورية" في موقفهم الى جانب الامبريالية هم في الحقيقة يدعمون تلك العصابات عبر تقديم الغطاء السياسي و محاولة التبرير الاخلاقي لجرائمهم و عمالتهم، و نستغرب في نفس الوقت عدم استعداد هؤلاء "الثوريين" للعمل على الأرض مع العصابات التي تحدثنا عنها، هم يكتفون باعتلاء المنابر و الاعلام و النضال "الآمن" على المقاهي و البارات أو على أبواب السفارات السورية في أحضان الأنظمة العميلة هنا و هناك.. و هذه الحقيقة وحدها هي مؤشر كافي على "ارتزاق" تلك المجموعات و عدم جديتها، و عدم احقيتها في التحدث عن النضال الثوري من الأساس.ـ

 أيها الرفاق،ـ
نحن الآن نواجه منعطفا خطرا في المعركة ضد الامبريالية المتوحشة في أزمتها الاقتصادية و العسكرية و الايديولوجية و الفكرية و الاخلاقية، و نحن متأكدون من المستوى الهمجي و المجرم للامبريالية في محاولة حماية مصالحها و تمديد هيمنتها على العالم.ـ
نحن نواجه أحد الاحتمالين لا ثالث لهما. و ذلك بحسب ما تفرضه الحسابات العلمية و الموضوعية. الاحتمال الأول هو استمرار الأزمة للامبريالية لتستمر في الأفول و التراجع تدريجيا مما يسمح بتقاسم العالم بشكل أكثر عدلا، و تلك ستكون الخطوة التي تحدثنا عنها لمصلحة الانسانية جمعاء. ـ
و الاحتمال الاخر هو أن ترمم الامبريالية نفسها من خلال السيطرة على خطوط الغاز في العالم، كبديل عن النفط. و نود التنويه هنا الى أن النفط كمصدر للطاقة و الهيمنة على العالم أصبح مهددا لاقتراب نفاذه من جانب، وبسبب سيطرة قوى مقاومة للامبريالية على العديد من هذه المصادر من جانب آخر.ـ

ان نجاح الامبريالية في التعامل مع الأزمة هذه يعني عودة الامبريالية بشكل أكثر بشاعة و قوة. بالاضافة الى أن التحول الايديولوجي أصبح واضح الملامح في المراكز الامبريالية، و التحولات نحو أقصى اليمين أصبحت تعبر عن نفسها بشكل صريح سواء في الخطاب  السياسي المباشر، أو على المستويات الفكرية و الثقافية.  و هذا التحول الايديولوجي في المراكز الامبريالية انعكس بشكل مباشر في الأطراف، حيث اصبحنا نشاهد مجموعات الاسلام البرتقالي تستلم مفاتيح السلطة في دول الأطراف، و هذه المجموعات قد احيطت بمجموعات برتقالية تضمن  السيطرة الفكرية و الثقافية  على من هم خارج دائرة الاسلام البرتقالي. هذه التركيبة الجديدة التي تفرضها الامبريالية هي مؤشر واضح على المخطط الامبريالي لتمديد أزمته و انقاذ نفسه منها. و نزيد على ذلك بأن هذه التركيبة الجديدة ستكون كارثية على كل المستويات الانسانية و الاخلاقية، لادراكنا بأنها ستكون قائمة على نزع القيم المجتعية و تحويل البشر الى سلع في سوق المعارك الدينية و العرقية و الحروب الأهلية المتصارعة في كانتونات  ومجاميع طائفية و دينية و عرقية و مذهبية متناحرة ضعيفة، في محيط الكيان الصهيوني الدولة القوية الضامنة للسيطرة على مشروع "ديك تشيني" لخط الغاز،  و بالتالي  الضامنة لسيطرة الامبريالية على العالم. و هنا نذكر الرفاق بالعلاقة الجدلية بين الصراع مع الصهيونية و الصراع مع الامبريالية حيث تتجلى هذه العلاقة بأكثر أشكالها وضوحا في هذه المعركة تحديدا. و نتمنى أن لا أن لا يخطئ أحد البوصلة. ـ
المعركة مع سوريا أيها الرفاق تأتي في سياق المعركة على خطوط الغاز، و فشل المشروع الأمريكي في سوريا يعني فشل الامبريالية في محاولة ترميم نفسها، و يعني استمرار هذه الامبراطورية في الأفول و التراجع. و يتوقع الكثيرون أن تقوم المراكز الامبريالية بمغامرات اجرامية كاللجوء الى تفجير العالم بأسره في حرب عالمية شاملة، و ندرك خطورة ذلك،  وفي نفس الوقت نعرف بأن احتمال ذلك يتناقص مع صمود شعوب العالم في الدول المواجهة للامبريالية، و بالتزامن مع الضغط الشعبي الذي تقوم به حركة "احتلوا وول ستريت" الذي يدعم معركتنا بشكل جبار. حظوظ الامبريالية في هذه المعركة تتناقص بشكل كبير في عصر هزائمها العسكرية، و نذّكر هنا بأن نتائج انتصار المشروع الامبريالي في إنقاذ نفسه سيكون أكثر كارثية من حرب عالمية شاملة، نحن نتحدث هنا عن مشروع للفوضى و موت الانسان . ـ

و في سياق الكلام أعلاه، نحن مؤمنون بأن الجماهير التي تحتشد في ساحات و ميادين الجمهورية العربية السورية رفضا للمؤامرة و دعما لمشروع المقاومة و اصلاح الدولة و دعما للقيادة السورية هي الجماهير الثورية الحقيقية، و بأن معركتهم هي معركة الأمة العربية و الانسانية جمعاء، و نرى بأن القوى التي تسمي نفسها "معارضة" للنظام السوري، و تقوم بالتنسيق مع المراكز الامبريالية عبر الاسلام البرتقالي و المجموعات البرتقالية هي قوى عميلة وضعت  نفسها في خانة العدو الامبريالي، و هي عدوة الانسانية جمعاء. و قد لامسنا ذلك أيضا سواء في خطابهم السياسي المباشر أو في خطابهم الفكري و الثقافي. ـ
أيها الرفاق، يجب إدراك خطورة المرحلة التاريخية الدقيقة التي نمر بها، و يجب على كل رفيق يجد نفسه في خانة الشعوب المناهضة للامبريالية أن يدرك الدور الهام المطلوب منه. نتمنى أن لا يسيء أحد تقدير خطورة المرحلة. ـ
نحن قد نستطيع تفهم من شعر بالارتباك و بقي على مسافة من المعركة، و نستطيع تفهم من قرر بأن يكون محايدا، و لكننا غير قادرين على تفهم التموقع في الضفة الأخرى من المعركة. ـ
لا يمكن لأي يساري أو ثائر أن يقدم أعذارا أو ذرائع للوقوف بجانب الامبريالية. و من غير الممكن أن يقوم أيضا بدور التحشيد الشعبي و الجماهيري المضاد سواء لتحشيد الجماهير للوقوف بجانب الامبريالية أو لتحييدها من المعركة، ما يحصل في بلادنا هو نسخة طبق الاصل عن محاولة الامبريالية الامريكية نشر الحروب الأهلية و جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية ابان هزيمتها في فييتنام. وهي تحاول تطبيق نفس التكتيكات في بلادنا عبر أدواتها المحلية العميلة. ـ
و كما قلنا من قبل، قد تكون القيادة السورية مختلفة عن قيادات أخرى في دول أكثر ثورية، و هناك من الملاحظات الكثير الكثير. و لكن و في نفس الوقت  هناك تحولات ايجابية و حقيقية باتجاه العدالة الاجتماعية و الاشتراكية  اقترنت بالصمود على الموقف السياسي في المعادلة الاقليمية والدولية،  لامسنا هذه التحولات في الخطاب السياسي المباشر، و في الخطاب الفكري و الثقافي، بالاضافة الى الممارسة الحقيقية من خلال الاصلاحات الاقتصادية و القانونية و السياسية، و نحن نتمنى الجدية و الاسراع في هذه الاصلاحات و ندعم هذا التوجه بشكل كامل، كما ندعم القيادة السورية في موقفها السياسي المشرف. ـ
نحن مع سوريا لأننا نقف في الجانب الصحيح من المعركة، لتخطو الانسانية خطوة كبيرة نحو مستقبل أفضل يتنصر على جشع الامبراطورية الامبريالية.
لجميع الرفاق تحية نضالية، و لننظر معا لغد آخر و مستقبل أكثر عدالة
 فراس محادين
19/كانون الثاني/2012

Sunday, August 21, 2011

إنتظار


كعادته .. جلس أمام صديقه العصفور .. لم يفهم يوما .. و لم يكن مهما أن يفهم من الاساس سر العلاقة بذلك الصديق .. فلم يضعه يوما في قفص .. و كان ذاك يحلق بعيدا ثم يعود .. كان صاحبنا يستمتع بحرقة الانتظار .. و يتنشي باللقاء ... يومها ... نظر اليه العصفور مطولا بلا أي انطباعات ... و طار ... فهل يعود يوما ؟؟

Tuesday, May 24, 2011

صناعة في غرفة الانعاش




فيلم لـ: فراس محادين




فيلم وثائقي قصير حول أزمة صناعة الأحذية في الأردن
(تمت صناعة الفيلم بلا ميزانية على الأطلاق)

سوبرماركت

فراس محادين
Nikon F80 35mm, 70-200 Macro Lense, Kodak Plus films
 السوق القديم في عمّان - من تصويري
لا اريد سوبرماركت بألوان تستحضر في ذاكرتي أحد الأفلام الأمريكيه (حتى و ان كان فيلم جيد) ... لا اريد خضارا وفواكه منمقة و موضوعة بافتعال شديد لتتوافق مع الوان العبوات البلاستيكيه هنا و هناك....
أفضل الذهاب لسوق شعبي ..حيث تتراكم كتل البندورة و الخيار و الكوسا هكذا اعتباطا في مشهد حقيقي بلا افتعال، و حيث يتوجب علي التحرك بين الباعة و اختيار السعر الأنسب و البضاعة الأفضل، و سأضطر كثيرا ان اتجاوز هذه المعايير و اشتري من احد الباعة الذي أصبح صديقا (و سأبذل المزيد من المجهود و أنا احاول اختيار أفضل الموجود)، و ربما سأحاول مازحا التفاوض معه للحصول على سعر أفضل، و ربما لن أنجح ... و لكن أنا واثق بأن هذه الصداقة و هذه العلاقة الانسانية (حتى و ان اختصرت ببضع دقائق كل اسبوع) تستحق هذا التنازل ...
ما زلت مفتتنا بالألوان العفوية لتلك الكتل الفوضوية من الخضار و الفواكه، و ذلك البائع الذي يضع "تفاحه" بعناية خاصة، و سأقف (كما كل مرة) لمراقبة أحدهم و هو يشتري التفاح لأبنائه و يفاوض البائع و ربما يتبادلان بعض النكات و الشكاوى، طبعا انا أعرف انه يقوم بالشراء لابنائه هكذا ببساطه، فهكذا هم الآباء، يمكن تمييزهم بسهولة، فهناك مسحة من الشدة و الحب سويا، تركيبة تصبغنا جميعا عندما نتحول لآباء، لربما بسبب التقاليد و المخزون، و ربما لصعوبة الحياة التي نمر بها ... و ربما بسبب الاثنين معا ... و في كل الأحوال ...سأتوقف عند هذا المشهد كل مرة ... ربما تطلعا للمستقبل ... أو للماضي ...ـ
ولم تتوقف دهشتي اطلاقا عند مشهد هذه الأسواق ليلا، خصوصا مع اسلاك اللمبات الصفراء المتوزعة بشكل عبثي تماما فوق الخضار و الفواكه، و تفاوت الضوء و الظل مع تلك الألوان المختلفه .. اصفر .. اخضر .. احمر .... و مع وجوه الباعة المتطلعة للعودة لمنازلهم ... و مع اقتراب نهاية يوم اخر من العمل ...
لا اريد سوبرماركت يبيع كل هذه الخضار لحساب شخص واحد... شخص خفي لا أراه ... يعطي القليل القليل من النقود مقابل الكثير الكثير من ساعات العمل للبائعين بملابسهم الموحدة و قبعاتهم (التي ربما تحمل وجها سعيدا) ... و تحتها وجه قارب على فقدان الملامح تماما !!!!
لا أريد سوبرماركت يحوي كل شيء في مكان واحد و يؤمن لك سلال على عجلات تضع فيها ما تريد، يوفر عليك كل الجهد، ويسهل عليك مراكمة المزيد من الوزن الزائد، ويغريك بالمزيد من الطعام َ!!! و ان اراد احدهم او احداهن الاحتفاظ بجسد رشيق فعليهم التوجه نحو أحد المراكز الرياضية حيث يقدم لك الات كهربائية لممارسة الرياضة و برنامج للتمارين و حمامات، كل شيء معد سلفا بما في ذلك الموسيقا و الذائقة ... و ربما سيقوم هؤلاء بشراء مستحضرات للحفاظ على الوزن أيضا ... من نفس السوبرماركت!!!
أنا لا أريد ذلك ... أريد ان امشي أكثر ... و أبذل المزيد من الجهد ... و أن استمتع بذلك السوق أكثر ... و ان اكل بكميات أقل (بما يتناسب مع مجهودي اليومي) ... و اريد ان ابحث عن الموسيقا بنفسي
لا أريد سوبرماركت ... حيث كل شيء معلب .. و مطابق للمواصفات !! .. لا أريد هذا الجو "العائلي" الهادئ ... حيث يمكن للجميع شراء "اشياء" لممارسة طقس جماعي... لتغذية طاقة الانسان التواقة للتطور و الحرية و تقديم"المهدئات" لها عبر "اشباع" زائف لهذه الحاجه، فيصبح حذاء على "الموضه" اشارة و فعل تطور و تحرر

لا اريد لأحدهم ان يمارس العمل الأكثر بدائية (و هو مراكمة المال و السلطة) تحت مسمى "الحداثة و التطور و الحرية"
حتى الحرية أصبحت معلبة ... فهناك علب بلاستيكية في منازلنا تحدثنا عن ماهية الحرية بالصوت و الصورة ... و اصبح الجميع يسمع و يرى وهو صاغر و موافق على كل ما يصله من تلك العلب و يمارس ما يسمى بالحرية تلك انصياعا و بلا قرار!!
انا اشعر بالحرية أكثر و انا اشتري النعناع من امرأة مسنة مصرة على الابتسام دائما ... اشعر بالحرية عندما اخلع حذائي و أمشي على الاسفلت حافيا ... أشعر بالحرية عندما احمل موقفا مكدرا للصفو العام (بحسب ادونيس) ...
انا اشعر بالحرية أكثر و انا اكتب هذه الكلمات ...و أخاف ان لا يكون ذلك أكثر من تنفيس لسخط وصل عندي مرحلة الثورة .... و أتمنى ان لا يقرأ هذه الكلمات من يمكن ان يقل سخطه بسبب هذه الكلمات أيضا !!!ـ





(ملاحظة: هذه الكلمات هي عبارة عن احتجاج معلن وليست تحليلا سياسيا أو خاطرة أدبية .. و هي نتيجة نقاشات مع الكثير من الرفاق و الأصدقاء ... و بخاصة الصديق محمد فرج و مقاله التحليلي المهم المعنون بـ "سلعة الحرية و لغة السلطة" على الرابط التالي:
http://alarabalyawm.batelco.jo/print.php?news_id=302855  )

Monday, May 16, 2011

الثورة بين التحرر و ازاحة الوعي

فراس محادين

ظاهرة الاحتجاجات العربية الجديدة ليست بلا مبررات، فهي نتيجة أزمة حقيقية تمتد من المحيط إلى الخليج، و هنا نتحدث عن حزمة متكاملة من الأزمات الداخلية والخارجية. الداخلية فيما يتعلق بإدارة الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم و توزيع الثروة و السلطة وعلاقات الانتاج، والخارجية المتعلقة بموازين القوى ومسألة السيادة والموقف من القضايا المركزية (احتلال فلسطين والعراق)، ونستطيع الجزم تماما بأن هذه الأزمات هي السمة الثابته في جميع الدول العربية.
وفي سياق الأزمة كما أسلفت، فإن التحدث عن عدم استقرار هذه الأنظمة هو أمر واقع، و عدم الاستقرار هذا يعني بالضرورة أن هذه الأنظمة، مجتمعة وفرادى، قابلة لفقدان التوازن في أية لحظة.
وعندما بدأت شرارة هذه الاحتجاجات وعبرت عن نفسها من خلال خروج الآلاف من البشر في شوارع تونس، و امتدت باتجاه مصر في فترة قصيرة فقد سددت الجماهير العربية بذلك ضربة قوية لجميع هذه الأنظمة وأصبحت جميعها تترنح تحت تهديد الاحتجاج الشعبي وأصبح كل منها يدرك أنه يواجه مصيرا مشابها.
وهنا تستلزم الأشارة بأن هناك لاعبا مهما في المنطقة العربية (إلى جانب الأنظمة) وهو الإمبريالية و أدواتها، التي تعاملت مع الواقع العربي الجديد بتطويعه للحفاظ على مكتسبات القوى المهيمنة على الأنظمة العربية، ما اقتضى البحث عن الطريقة التي يستمر بها الإرتهان لهذه الهيمنة، مما خلق "الثورة المضادة".
ويمكن تعريف الثورة المضادة ببساطة بأنها تطويع حركة الاحتجاجات العربية وإزاحة الأزمة في الوعي العربي من مراكزها ومحركاتها الحقيقية (حزمة الأزمات الداخلية والخارجية) نحو بعض العناوين الجانبية التي قد تبدو كبيرة ولكنها في الحقيقة بعيدة كل البعد عن جذر المشكلة، ومن الأمثله عليها: تشخيص المشكلة في مصر بشخص حسني مبارك أو زين العابدين في تونس، أو التحدث عن الحريات و تمثلها في صناديق الإقتراع والابتعاد تماما عن فكرة الاستقلال الإقتصادي وأزمة صندوق النقد الدولي أو معاهدات السلام مع العدو الصهيوني أو الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية... الخ. و استطاعت هذه القوى خلق الإزاحة بسبب ضعف القوى الوطنية وضعف تأثيرها في الشارع العربي مما نزع عن حركة الاحتجاجات بعد التحرر الوطني، وهو الذي كان السمة الرئيسية لها في البداية.
نحن نتحدث عن بوادر ثورة تحرر حقيقية في الشارع العربي، و نتحدث في الوقت نفسه عن ثورة مضادة تحركها مطابخ الإستخبارات الدولية ووكلائها المحليين. و كل من الثورة و الثورة المضادة تحمل مشروعان متضادان تماما كل منهما ينفي الآخر، فمشروع التحرر العربي يواجه مشروع الثورة المضادة الذي يتمثل في ما يسمى بـ "شرق أوسط جديد" تتم فيه إعادة ترتيب الأوراق بما يتناسب مع أمن الكيان الصهيوني وتأمين مصالح الولايات المتحدة في المنطقة لدعم مشروعها الكوني في السيطرة على العالم.
أما من ستكون له القدرة على الصمود؟ و من سيكون له القدرة على التأثير على الشارع أكثر؟ هنا نتحدث عن احتمالات مفتوحة و ستكون الإجابة لهذه الاسئلة مفتوحة للأيام المقبلة..

Thursday, May 12, 2011

أردن منزوع "الهوية" ـ

لفهم ملابسات انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي يجب النظر ببساطة الى القوى السياسية و الأحداث و طبيعة المتغيرات في المنطقة...

بالنسبة لشبكة العلاقات السياسية في المنطقة فيمكن اختصارها كالاتي:

- ما يسمى بتيار الاعتدال العربي:السعودية (و باقي دول الخليج) – مصر – الأردن، و هو التيار المرتهن تماما للادارة الأمريكية، وهو إما متحالف مع الكيان الصهيوني بشكل علني أو من تحت الطاولة.

- تيار الممانعة: ايران – سوريا – حماس – حزب الله – القوى الشعبية (قومية و يسارية واسلامية ووطنية)، و هو التيار الذي يحاول البحث عن استقلال حقيقي عن التبعية لأمريكا و الكيان الصهيوني.

- تركيا الطامحة لدور اقليمي (كمركز سني) متحالف مع امريكا و الكيان الصهيوني من جهة، وتتحدث من جهة أخرى عن "تحرر" و عن دعمها لحق الشعب العربي في الحرية مع بعض البهارات (انتقادات للكيان الصهيوني و رحلات بحرية الى غزة .. الخ)

و يمكن التحدث عن المتغيرات الأساسية في النقاط التالية:

- الانتفاضة الشعبية في مصر و التغير في رأس السلطة و ما سيصاحبه من تغير في الأداء السياسي و ربما دور مصري جديد في المنطقه

- ما يسمى بالمصالحة الفلسطينية و أثرها على المنطقة

- الأحداث في سوريا

و كما نعرف جميعا، فهناك مخطط أمريكي قديم (متجدد) يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد"، و هو ما بشرت به رايس من قلب بيروت أثناء دك الطائرات الصهيونية للشوارع و البلدات اللبنانية، و لكن الصمود البطولي لحزب الله أفشل ذلك المخطط وقتها، مما استدعى تجديد هذا المخطط تبعا للظروف و المتغيرات، فقد أدى انتصار المقاومة اللبنانية المجيدة و صمود المقاومة الفلسطينية (حماس) ما بعد العدوان الصهيوني على غزة (وما بعد مؤامرة السلطة الفلسطينية عليها) الى اضطرار الادارة الأمريكية للبحث عن بدائل لمواجهة تزايد قوة و تأثير تيار الممانعة في المنطقه الذي توج بنزع الحريري عن رئاسة الوزراء في لبنان، و هو ما استدعى للبحث عن حليف قديم – جديد للعب دور جديد في المنطقة (تركيا).

و في عصر ما بعد الانتفاضة الشعبية في مصر، و البحث عن دور سياسي حقيقي لمصر، و في سياق القلق التركي من هذا الدور، و الذي ربما سيؤدي الى خلق بؤرة للتحرر العربي (خصوصا ان تحالف مع تيار الممانعة) مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب السياسية التي يقوم بها المجلس العسكري الحالي في مصر للبحث عن دوره الإقليمي (تمرير البوارج الايرانيه، الضغط على السلطة الفلسطينية و حماس من أجل المصالحة، تفجير انابيب الغاز لوقف التصدير لاسرائيل ... و حتى التفاوض مع دبلوماسيين اسرائيليين ... الخ)، الذي يجبر الادارة الامريكية على البحث عن بدائل.

أما الأحداث في سوريا (بغض النظر عن الموقف منها) .. و لكن، اضعاف النظام السوري يؤدي بالضرورة الى اضعاف تيار الممانعة مما يضع على الطاوله خيار تعزيز دور الحليف الرئيسي للولايات المتحدة (السعودية)، و خلق قطب جديد في المنطقة ليلعب دورا في اعادة ترتيب المنطقة و تمرير ما يسمى بـ "الشرق أوسط الجديد"، و في الحقيقة لا يمكن انكار الدور السعودي كوكيل للولايات المتحدة في المنطقة، و لا يمكن انكار أولوية اسرائيل كصمام أمان أمني لمصالح العم سام في بلادنا...

طبعا على تركيا ان تحدد خياراتها في هذا السياق، إما الذهاب بعيدا و البحث عن تحالف اقليمي مع تيار الممانعة و القوى الجديدة الصاعدة (مصر)، أو البقاء على مسافة واحدة مع الجميع و بحث الخيارات الأمريكية (القديمة الجديدة) لها، و هو ربما ما يحدث الان بالنظر الى الموقف التركي من احداث سوريا، و هنا المسألة تعتمد على الرهان السياسي على الخيارات القابله للصمود و الخيارات القابلة للهزيمة. خصوصا مع المصالحة الفلسطينية التي ربما ستخرج حماس من دائرة الممانعة العربية ... طبعا الجميع ينتظر تطور الأحداث على أكثر من صعيد، و الجميع وضع نفسه في منطقة الرهان السياسي نفسها للحفاظ على خط الرجعة و فتح الأفق أمامه على حسب النتائج المختلفه للوضع السياسي.

و بالتالي، فإن التحركات لخلق دور اقليمي لمجلس التعاون الخليجي في مواجهة ايران في هذه اللحظة السياسية هو بالضرورة من أجل اضعاف تيار الممانعة لتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، بحيث يكون لاسرائيل الدور العسكري و السياسي الرئيسي (للحفاظ على أمنها)، و ذلك يعني بالضرورة تمكين اسرائيل من حل القضية الفلسطينية من خلال مشروعها المعلن (مشروع الكونفدرالية)، و تحويل المحيط العربي الى كيانات هشه غير قادرة على أخذ زمام المبادرة و القرار السياسي.

و لذلك نقول أن من يحلم ببناء دول ديموقراطية ذات سيادة حقيقية خارج اطار الممانعة هو واهم، لأن المطروح هو الانبطاح للمشروع الأمريكي تماما، و بالتالي أية طموحات لأي مشروع خارج هذا السياق هو وهم أو عمالة.

أردنيا، الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني بالضرورة الهرب من استحقاقات الاصلاح السياسي و الاقتصادي الحقيقية، و التأكيد على الخيارات الأمريكية، و لكنها هذه المرة تهدد الوجود الأردني نفسه، فمشروع الكونفدرالية يعني انتهاء مشروع الدولة لصالح الارتهان الكامل للمشرووع الامريكي ... وذلك من خلال رمي الهوية التاريخية للدولة بعرض الحائط، و فتح الأردن مرة أخرى لخيار المساعدات الخارجية.

و عليه، فإن الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني التحرك في اتجاه اضعاف تيار الممانعة، وبالتالي تقوية الخيار الامريكي – الصهيوني، و هو ما سيفتح الباب و سيسهل تمرير المشاريع الصهيونية في المنطقة بلا "ممانعة" ... أي الذهاب مباشرة نحو الكونفدرالية