Friday, January 20, 2012

الفيلم الأمريكي "دخان" للمخرج: واين وانج - 1995


"أنظر بتمهل" يقول (المصور (و صاحب محل البقالة) للروائي،" لن تستطيع رؤية الفكرة و ادراكها دون ان تنظر بتمهل ..لتكتشف الفروقات الصغيرة بين تلك الصور لنفس المكان و نفس الشارع من نفس الزاوية في الساعةالثامنة صباحا من كل يوم!!.. ما هو موجود اليوم لن تجده غدا..  ادراك ذلك يجعلك تدرك جوهر الحياة. هذه التفاصيل و هذه التناقضات، التغير و الحركة هي روح الوجود،و التي جعلتنا نتسائل دائما عن طريقة لادراكها و قياسها كما قام السير والتر رايلي  بقياس وزن الدخان ..ـ  





الفيلم من بطولة الممثل الرائع هارفي كايتل و الذي ساهم بشكل كبير في دعم السينما البديلة في أمريكا، و السينما البديلة هي تيار السينما الجادة ..الأمل بغدٍ إنساني، و هو التيار الذي استمر منذ بداية نشوء السينما و حتى يومنا هذا، منذ شارلي شابلن الثائر الشيوعي و الباحث عن الأنسانية بكل تناقضاتها ..ببكائها و سخريتها و ثورتها في الضحك نفسه!!! و يستمر هذا التيار عبر المخرج الشاب كوينتن تارانتيو الأقرب لستوديوهات هوليوود لإيمانه بفكرة "التغيير من الداخل"، و هي مدرسة المخرجين الكبار مثل كوبولا أو ستانلي كوبريك، كما يستمر تيار السينما البديلة في أمريكا أيضا عبر مخرجين قرروا الابتعاد عن الاستوديوهات و قاموا بالحفر خارج "المنظومة" لانشاء وعي ثوري في السينما و الواقع مثل جيم جارموش و فينسينت جالو و مثل مخرج فيلم (smoke) واين وانج.

عندما نشاهد فيلما من هذا التيار نذكر دائما الجانب الذي نعشق في أمريكا: النساء الثائرات على أبواب المصانع، و مناضلي النقابات الذين استشهدوا من أجل أبسط حقوقهم، من أجل تحديد ساعات العمل بـثمانية ساعات، لتبقى الحركة العمالية دوما الأكثر نضالا و تقدما و أنسانية، لوعيها الحقيقي بقيمة العمل و قيمة المجتمع و قيمة الانسانية، و منذ تلك المعركة عام1886  للحركة العمالية الأمريكية و  يحتفل العمال بيوم العمال العالمي في "5 أيار" المجيد تحية لشهداء الحركة العمالية في أمريكا و العالم أجمع.
كما نذكر أيضا مئات الالاف الذين تظاهروا في شوارع أمريكا لارغام النظام الإمبريالي على الانسحاب من فييتنام دعما للمقاومة الفييتنامية العظيمة، و ابتسامة "جين فوندا" على مضادات الطائرات للفيت كونج.. و ذلك بغض النظر عن تراجعها المشين عن تلك المواقف، تبقى جين فوندا الانسانة في الذاكرة أما الانتهازية فهي درس لنا لفهم قدرة الامبريالية على شراء الضمائر و تحويل الوعي بشكل متناقض مع انسانيته، بل نقول قدرة الامبريالية على تغيير الوعي بشكل كلي و أحلال وعي للعبيد و تقبل للعبودية بدل منه.

في أمريكا نذكر رويات "وليم فوكنر" و "سكوت فيتزجيرالد" و أنا متأكد أن هناك كثيرون غيرهم و بسبب كسلي لم اكتشفهم!! كما ننظر هذه الأيام باحترام شديد للشبان الشجعان في شوارع أمريكا في حركة "احتلوا وول ستريت" لحث الشعوب على النهوض و احتلال الشوارع لمواجهة الإمبريالية المتوحشة.

فيلم (smoke)  تحية حب للسينما نفسها، لحكاية الانسان.. بتواضع شديد للمخرج.. باحترام وحب شديدين لفن السينما، و بكل الجدية في بحثٍ دقيق في الجوانب الجمالية للسينما ..  للصورة.. و للفن.
لا تتحرك الكاميرا الا بحرص شديد، لا مبالغة .. الفنان الحقيقي يدرك بأن لا تعالي و لا استسهال في الفن. مونتاج غاية في الرقة، و في أكثر اللحظات عنفا، في المشهد الذي يقوم فيه الشاب المراهق بإنقاذ الروائي من الدهس، لم يتم استخدام الكثير من اللقطات، لقطتين فقط ثم يتم القطع مباشرة الى بداية الحكاية بينهما.
تستشعر عبقرية الموسيقا من بداية الفيلم، بهدوء شديد، و خلال معظم الفيلم تمر الموسيقى في الخلفية دون ان تشعر بها، و تمرر الجرعات الحسية دون أي فرض.
تركيب معقد للسيناريو و سرد غاية في البساطة، العديد من المستويات للقصة و الشخصيات و الحوار، يعالج في المستوى الأول –القصة– الجانب الانساني المنسي في يوميات الحياة، و يضع "التعاطف الانساني" كقيمة ضامنة لاستمرار الانسان في محيطه المزري تحت سيطرة قيم السوق ورأس المال الشجع، و السؤال الدائم في الفيلم: متى سيدفع الرجل الأبيض الثمن؟ هل يدفع الثمن  فعلا على حساب انسانيته نفسها؟ و هل سيكفر عن الخطايا؟ متى سيفهم بقية الرجال البيض ذلك؟ متى سيفهم الرجل الأبيض بأن "غروره وحساباته البنكية و إرثه الاقطاعي الاستيطاني الاستعماري القاتل" لن يزيده الا ترديا؟ سؤال يتردد تقريبا في كل مشهد من الفيلم. الحل الوحيد أمام الرجل الأبيض و البشرية جمعاء هي "التعاطف الانساني"، هي روح الانسان، التي يمكن قياس وزنها كالدخان تماما!!ـ
الحوار حمل شكلا محددا في كل المشاهد، سخرية جارحة تحمل كما هائلا من الحب، جدلية الحب و الكراهية في جوهرها الانساني. و بالرغم من البساطة الشديدة في الحوار ، و لكنه يحمل في نفس الوقت مستويات متعددة و شديدة التعقيد، و هو ما يمكن ملاحظته في جميع جوانب بناء الفيلم البصرية والدرامية. الملاحظ بأن تطور العلاقة بين الشخصيات الرئيسية كان يتم دائما بمشاهد صامته دون جملة حوار واحدة. الشكل المسرحي في الحوار يذكرنا بروايات فوكنر و العودة للبحث في الدراما المسرحية داخل العمل الروائي. حيث أن الاتقان الشديد في البناء المسرحي كان السبب الرئيسي للحفاظ على سلاسة المشاهد و الابتعاد عن الافتعال و تحقيق التواصل الانساني مع الجمهور. و قد تحقق ذلك تماما سواء في الرواية عند فوكنر و في هذا الفيلم أيضا.
الفيلم جاء في خمسة فصول: المقدمة (حكاية الروائي حول قياس وزن الدخان و من ثم حكايته الشخصية) – الروائي بول – المراهق الأسمر رشيد  - روبي (شبيهة مارلين مونرو بعين واحدة) – سايروس (الأب ذو الخطاف) – الحل (حكاية الميلاد، للمرة الثانية.. و لكن بالصورة هذه المرة)
الشكل الكلاسيكي في السرد، خمسة فصول على ايقاع هوميروس، بحث جدي لجماليات السرد في السينما استنادا للجذور الأولى في الدراما، و شكل كلاسيكي أيضا في الصورة، معظم المشاهد في لقطات طويلة لكاميرا ثابته لا تتحرك الا للضرورة المشهدية، كما استخدمت حركة الكاميرا في بضعة مشاهد قليلة من الفيلم للاقتراب من الممثل و التوحد معه في لحظة "التنور"، احساس مستمر بالحالة الفوتوغرافيه، الحركة داخل الصورة طبيعية جدا و  تحمل ألفة الجلوس في المنزل، و الاحساس الجمالي متقن و يرتكز في التفاصيل دون البحث عن "ابهار" بصري،  فالجمال في الحياة نفسها، في التفاصيل، في الروح التي تحمل الفيلم.
في مقابل الشكل الكلاسيكي في السرد، كان بناء الشخصيات أقرب للشكل "الاسطوري" و إنما في عالمنا المعاصر. في محاولة لتقليد هوميروس عبر الشخصيات الغرائبية و لكن هذه المرة لمخاطبة عقل ما بعد التنوير، عقل التفلزيون و الحروب بالريموت كونترول، البحث عن الغرائيبة هنا مختلف، و أقرب للواقع اليومي و يمكن رؤيته يوما ما في أحد المقاهي أو محلات البقالة، اوجي مثلا، صاحب البقالة الذي اضطر للسرقة من أجل حبيبته، و حكم عليه بالانتساب للجيش الأمريكي  والمشاركة في الحروب بدلا من أن يدخل الكلية، هو يمارس الان هوايته اليومية و يصور صورة واحدة كل يوم الساعة الثامنة صباحا لنفس الشارع من نفس الزواية.  و يعمل في تجارة السيجار الكوبي في الخفاء. و يتكشف وجود ابنة له من حبيبته السابقة (شبيهة مارلين مونرو بعين واحدة)، و يكتشف ان اسمها "فيليستي - السعادة" أكملت العام الثامن عشـر، فيليسيتي تحيا بشكل مزرٍ  و منفصل عن الواقع بشكل كامل في عالم المخدرات. و روبي شبيهة مارلين مونرو و لكن بعين واحدة، تدمن المخدرات و الكذب، و تصارع من أجل ما تبقى في الروح، أخر رمق في انسانيتها. و الأب الذي قتل "الأم" و خسر ذراعه الأيسر، و استبدلها بأخرى من الخردوات و الحديد. و الروائي الذي خسر امرأته و طفله في حادث تسببت فيه الجريمة المنظمة، و خسر مع ذلك نفسه و قدرته على الإبداع.



و في المستوى الثاني للسيناريو، وبتواضع شديد أمام الأدب، يتحدث الفيلم عن الذاكرة و الخيال. شخصية رشيد هي احتفالية بالحياة و العمل والخيال و الابداع.  في الحوارات احتفاء مستمر بالخيال و العقل، الخيال باعتباره اعادة "تركيب" الواقع عبر تجاوز كل الضوابط لحركة التاريخ، و يصبح المكان و الزمان و الاشخاص قيما متغيرة في محيط واحد، المتغير و الثابت هو وحدة الوجود. و هي النتيجة التي اختصرت في الفصل (الخامس) و الأخير من الفيلم بأن مصدر الخيال بأشكاله الأكثر اكتمالا هو الواقع، بجوهره الانساني و تناقضاته. و هي الحقيقة التي اكتشفها الروائي من خلال حكاية الميلاد  و استعاد بذلك قدرته على الابداع عبر اكتشاف هذه الحقيقة تحديدا.
لربما يعتقد البعض أن الفيلم لم يقدم نظرة ثورية بسبب البحث الدائم عن التصالح مع الذات و مع الجوهر الانساني للبشرية، و لم يقدم نظرية الصراع بشكها المجرد و المتجلي في أرض الواقع. و لكن، في حقيقة الأمر الفيلم يقدم نظرية ثورية عبر حفر الوعي نفسه، و البحث عن الجوهر الانساني في أمريكا، مركز الامبريالية المتوحشة بكل تناقضاتها. و يجدر التذكير هنا بالتحذير الذي قدمه الفيلم وتوقعه غزو العراق قبل أن يحدث ذلك بسنوات.

و في المستوى الثالث، يتحدث الفيلم عن السينما نفسها
فيلم في داخل الفيلم، لقطة واحدة لنفس الشارع لنفس الزاوية من كل يوم في الساعة الثامنة صباحا بالضبط .. يوم بعد الاخر..  نفي النفي لرؤية العالم من هذه الزاوية تحديدا، التغير و التبدل في الضوء و المناخ و البشر في تلك اللحظة من كل صباح، لاكتشاف اللامرئي في كل تلك اللقطات، لاكتشاف الوجود نفسه المبني من - و ليس على - هذه التناقضات، وهنا روح السينما، روح الانسان نفسه. و كما يقول الروائي في القصة التي يرويها في المشهد الأول من الفيلم: "عندما تقيس وزن "الدخان" فكأنك تقيس وزن الروح نفسها".
اشارات حب للسينما و للابداع تقاطعت مع البناء الدرامي للمشاهد في البحث عن جوهر الانسانية و الحب ، كما حصل في أحد المشاهد مثلا عندما يقول الروائي للمصور (و صاحب البقالة): كنت أدرك بأنك مجنون، فذلك مرسوم على ملامحك كأضواء النيون المشعة (في اشارة لاضواء النيون على أبواب قاعات السينما)، في تداخل حقيقي وواضح ما بين البعد الانساني المجرد و ما بين الابداع كتجلي لهذا البعد الانساني.
بالاضافة الى التشابه الواضح بين ديكور شقة الروائي في الفيلم مع غرفة البطل في فيلم هيتشكوك الشهير "النافذة الخلفية"، للغرفة نفس النافذة المميزة في رسالة حب و تقدير لفيلم هيتشكوك الذي قدم تجربة مجددة و تقدمية جدا في الفيلم عبر التكنيك الاخراجي و السرد و المستويات المتعددة للسيناريو و العمق الانساني.

هناك مقاربات عدة للعلاقة مع "الأب" في الفيلم، فهناك السخط حد الثورة من الأب والمجتمع و الوجود بأسره، كما هي الفتاة ابنة المصور و روبي، المراهقة التي انفصلت عن العالم تماما، و رشيد، الذي قتل اباه في ذاكرته و هو في حالة الانكار عندما اكتشف وجوده و هرب لعالم الخيال، ما جعله يتحول ليصبح هو "بول بيجامين" - الروائي، في بحثه عن الأب، و في هذه المقاربة لا يبحث عن "قتل" الأب و التخلص من سلطته، هو يرى الأب ذو اليد الواحدة الذي قتل "الأم"، هو الأب الذي يعيش قدره اليومي بالتطهر من تلك الخطيئه عبر يده المقطوعة التي استبدلها بأخرى من "الحديد و الخردة"،   و هو الثمن الذي يدفعه هذا الأب "للحفاظ على توازن الكون" كما يقول الروائي في مشهد البداية للفصل الثاني. والأب هو أيضا اوجي المصور و صاحب البقالة، الذي يوظف شابا "بطئ التعلم" و يحاول ان ينير له الطريق لاكتشاف و فهم الوجود و يكتشف هذا الشاب حقيقة الوجود بشكل "ديني" من خلال سوء فهم بسيط...  اوجي الذي يكتشف فجأة انه أصبح أبا و منذ زمن طويل.. وهو الذي انتحل صفة "الحفيد" و سرق الكاميرا الخاصة به من الجدة العمياء في ليلة الميلاد، هذه الكاميرا التي اكتشف من خلالها روح الوجود، و هي القصة التي انتقلت من فم "المصور" لعين الراوي لينقلها للعالم..ـ
 يبحث الفيلم عن علاقة جديدة مع ذلك الأب .. عن قيم أخرى في الجوهر الانساني. البعد الرومانسي في بناء الفيلم قد يصل حد التصوف، فالبحث عن الانسان، هو بحث عن الروح، روح الوجود بأسره. 

أنصح بمشاهدة الفيلم لمن لا يعرفه، كما أنصح بمشاهدته ثانيا و ثالثا ورابعا لمن شاهده قبل ذلك.



فراس محادين
20/1/2012

Thursday, January 19, 2012

لماذا أقف مع سوريا؟ لليساريين تحديدا



فليعذرني الرفاق في كوريا الشمالية، و لكن من المؤكد بأن الحياة هناك ليست الطموح النهائي و النموذج الحقيقي لمجتمع انساني قادر على تحقيق الاشتراكية العلمية بجوهرها الانساني و الموضوعي. و أنا أتحدث هنا عن المستقبل و ليس الحاضر. في الحاضر نحن نحيي نضالكم الحقيقي، و نقدر هذه الإرادة العظيمة التي سقت الفولاذ فعلا و انتجت جيشا يقارع قوى الامبريالية بأسرها. نقدر هذا الصمود، و نتمنى أن ننجز عشر ما أنجزتم على مستوى التحشيد الشعبي بالحد الأدنى، و نتمنى أيضا أن نصل مرحلة النضال التي وصلتم اليها، و ندرك جيدا انكم تمارسون يوميا جوهر العمل الانساني النبيل. و لكننا، و بالرغم من كل ذلك، نحلم بستقبل آخر، حيث تتقدم الانسانية خطوة حقيقية للأمام، و ليست كالخطوة الزائفة التي خطاها ارمسترونج على سطح القمر في استوديوهات الفبركة الأمريكية، و خصوصا في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ البشرية مع أفول الامبراطورية الامبريالية الأمريكية، و ملاحظة البشائر الأولى لذلك، من انتصار قوى التحرر في أمريكا اللاتينية، الى الهزيمة العسكرية الموضوعية التي لحقت بالامبريالية في العراق، و التي تزامنت مع هزيمة الكيان الصهيوني عامي 2006 و 2008، و هذا الكيان يعتبر أحدى أهم أدواتهم الرئيسية  في الوطن العربي، وصولا للمعركة الحالية  التي تمارسها الامبريالية ضد شعوب الوطن العربي من خلال ادواتها المحلية (الحركات البرتقالية و الاسلام البرتقالي).ـ

 و تقوم هذه الأدوات الآن بتجنيد الجماهير للعمل من أجل مصلحة الشركات متعددة الجنسيات عبر استخدام الخطاب الديني من جانب، و خطاب "الليبراليون الجدد" من جانب آخر، كما يشكل بعض المثقفين اليساريين الذين تم شراء ضمائرهم الاختراق الاكثر خطرا في هذا السياق، و يمكن اختصار مهمتهم العميلة بالكذب على الجماهير و التغطية على جوهر المعركة و محاولة نشر أفكار الليبراليون الجدد بغطاء "يساري" لتعميمه و تحييد الجماهير عن هذه المعركة المفصلية. ـ

أيها الرفاق في كوريا الشمالية و كل العالم، ندرك جيدا بأن ليس لدينا كاسترو، و لكننا ندرك أيضا أن لا وجود للاتحاد السوفييتي الآن، فالمعركة التي قام بها الرفيق غيفارا ضد الامبريالية السوفييتية غير ممكنة الان، و نذكر جميعا بأن الرفاق في الاتحاد السوفييتي، و بالرغم من معركة جيفارا ضدهم، قاموا بتسليح كاستروا بالصورايخ و الدعم المادي و اللوجستي لمواجهة الامبريالية الامريكية. و لهذا نرجو منكم عدم اتهامنا بالانتهازية لانعدام قدرتنا من الأساس على الوصول للمستوى الرومنسي من النضال الذي وصل اليه الرفيق جيفارا. و ذلك لسبب بسيط وواضح، و هو عدم توفر المناخ أو الأدوات الموضوعية لذلك.ـ

 و نود التذكير بأن هناك فرقا شاسعا بين  الاصطفاف الى جانب عصابات "الكونترا" العميلة في بلادنا و بين النضال الثوري لغيفارا و رفاقه. و نحن أيها الرفاق، و في الوقت الذي نشجب فيه الانخراط في عصابات الكونترا المحلية في بلادنا، نلاحظ ان معظم اليساريين ممن يتذرعون بـ "الثورية" في موقفهم الى جانب الامبريالية هم في الحقيقة يدعمون تلك العصابات عبر تقديم الغطاء السياسي و محاولة التبرير الاخلاقي لجرائمهم و عمالتهم، و نستغرب في نفس الوقت عدم استعداد هؤلاء "الثوريين" للعمل على الأرض مع العصابات التي تحدثنا عنها، هم يكتفون باعتلاء المنابر و الاعلام و النضال "الآمن" على المقاهي و البارات أو على أبواب السفارات السورية في أحضان الأنظمة العميلة هنا و هناك.. و هذه الحقيقة وحدها هي مؤشر كافي على "ارتزاق" تلك المجموعات و عدم جديتها، و عدم احقيتها في التحدث عن النضال الثوري من الأساس.ـ

 أيها الرفاق،ـ
نحن الآن نواجه منعطفا خطرا في المعركة ضد الامبريالية المتوحشة في أزمتها الاقتصادية و العسكرية و الايديولوجية و الفكرية و الاخلاقية، و نحن متأكدون من المستوى الهمجي و المجرم للامبريالية في محاولة حماية مصالحها و تمديد هيمنتها على العالم.ـ
نحن نواجه أحد الاحتمالين لا ثالث لهما. و ذلك بحسب ما تفرضه الحسابات العلمية و الموضوعية. الاحتمال الأول هو استمرار الأزمة للامبريالية لتستمر في الأفول و التراجع تدريجيا مما يسمح بتقاسم العالم بشكل أكثر عدلا، و تلك ستكون الخطوة التي تحدثنا عنها لمصلحة الانسانية جمعاء. ـ
و الاحتمال الاخر هو أن ترمم الامبريالية نفسها من خلال السيطرة على خطوط الغاز في العالم، كبديل عن النفط. و نود التنويه هنا الى أن النفط كمصدر للطاقة و الهيمنة على العالم أصبح مهددا لاقتراب نفاذه من جانب، وبسبب سيطرة قوى مقاومة للامبريالية على العديد من هذه المصادر من جانب آخر.ـ

ان نجاح الامبريالية في التعامل مع الأزمة هذه يعني عودة الامبريالية بشكل أكثر بشاعة و قوة. بالاضافة الى أن التحول الايديولوجي أصبح واضح الملامح في المراكز الامبريالية، و التحولات نحو أقصى اليمين أصبحت تعبر عن نفسها بشكل صريح سواء في الخطاب  السياسي المباشر، أو على المستويات الفكرية و الثقافية.  و هذا التحول الايديولوجي في المراكز الامبريالية انعكس بشكل مباشر في الأطراف، حيث اصبحنا نشاهد مجموعات الاسلام البرتقالي تستلم مفاتيح السلطة في دول الأطراف، و هذه المجموعات قد احيطت بمجموعات برتقالية تضمن  السيطرة الفكرية و الثقافية  على من هم خارج دائرة الاسلام البرتقالي. هذه التركيبة الجديدة التي تفرضها الامبريالية هي مؤشر واضح على المخطط الامبريالي لتمديد أزمته و انقاذ نفسه منها. و نزيد على ذلك بأن هذه التركيبة الجديدة ستكون كارثية على كل المستويات الانسانية و الاخلاقية، لادراكنا بأنها ستكون قائمة على نزع القيم المجتعية و تحويل البشر الى سلع في سوق المعارك الدينية و العرقية و الحروب الأهلية المتصارعة في كانتونات  ومجاميع طائفية و دينية و عرقية و مذهبية متناحرة ضعيفة، في محيط الكيان الصهيوني الدولة القوية الضامنة للسيطرة على مشروع "ديك تشيني" لخط الغاز،  و بالتالي  الضامنة لسيطرة الامبريالية على العالم. و هنا نذكر الرفاق بالعلاقة الجدلية بين الصراع مع الصهيونية و الصراع مع الامبريالية حيث تتجلى هذه العلاقة بأكثر أشكالها وضوحا في هذه المعركة تحديدا. و نتمنى أن لا أن لا يخطئ أحد البوصلة. ـ
المعركة مع سوريا أيها الرفاق تأتي في سياق المعركة على خطوط الغاز، و فشل المشروع الأمريكي في سوريا يعني فشل الامبريالية في محاولة ترميم نفسها، و يعني استمرار هذه الامبراطورية في الأفول و التراجع. و يتوقع الكثيرون أن تقوم المراكز الامبريالية بمغامرات اجرامية كاللجوء الى تفجير العالم بأسره في حرب عالمية شاملة، و ندرك خطورة ذلك،  وفي نفس الوقت نعرف بأن احتمال ذلك يتناقص مع صمود شعوب العالم في الدول المواجهة للامبريالية، و بالتزامن مع الضغط الشعبي الذي تقوم به حركة "احتلوا وول ستريت" الذي يدعم معركتنا بشكل جبار. حظوظ الامبريالية في هذه المعركة تتناقص بشكل كبير في عصر هزائمها العسكرية، و نذّكر هنا بأن نتائج انتصار المشروع الامبريالي في إنقاذ نفسه سيكون أكثر كارثية من حرب عالمية شاملة، نحن نتحدث هنا عن مشروع للفوضى و موت الانسان . ـ

و في سياق الكلام أعلاه، نحن مؤمنون بأن الجماهير التي تحتشد في ساحات و ميادين الجمهورية العربية السورية رفضا للمؤامرة و دعما لمشروع المقاومة و اصلاح الدولة و دعما للقيادة السورية هي الجماهير الثورية الحقيقية، و بأن معركتهم هي معركة الأمة العربية و الانسانية جمعاء، و نرى بأن القوى التي تسمي نفسها "معارضة" للنظام السوري، و تقوم بالتنسيق مع المراكز الامبريالية عبر الاسلام البرتقالي و المجموعات البرتقالية هي قوى عميلة وضعت  نفسها في خانة العدو الامبريالي، و هي عدوة الانسانية جمعاء. و قد لامسنا ذلك أيضا سواء في خطابهم السياسي المباشر أو في خطابهم الفكري و الثقافي. ـ
أيها الرفاق، يجب إدراك خطورة المرحلة التاريخية الدقيقة التي نمر بها، و يجب على كل رفيق يجد نفسه في خانة الشعوب المناهضة للامبريالية أن يدرك الدور الهام المطلوب منه. نتمنى أن لا يسيء أحد تقدير خطورة المرحلة. ـ
نحن قد نستطيع تفهم من شعر بالارتباك و بقي على مسافة من المعركة، و نستطيع تفهم من قرر بأن يكون محايدا، و لكننا غير قادرين على تفهم التموقع في الضفة الأخرى من المعركة. ـ
لا يمكن لأي يساري أو ثائر أن يقدم أعذارا أو ذرائع للوقوف بجانب الامبريالية. و من غير الممكن أن يقوم أيضا بدور التحشيد الشعبي و الجماهيري المضاد سواء لتحشيد الجماهير للوقوف بجانب الامبريالية أو لتحييدها من المعركة، ما يحصل في بلادنا هو نسخة طبق الاصل عن محاولة الامبريالية الامريكية نشر الحروب الأهلية و جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية ابان هزيمتها في فييتنام. وهي تحاول تطبيق نفس التكتيكات في بلادنا عبر أدواتها المحلية العميلة. ـ
و كما قلنا من قبل، قد تكون القيادة السورية مختلفة عن قيادات أخرى في دول أكثر ثورية، و هناك من الملاحظات الكثير الكثير. و لكن و في نفس الوقت  هناك تحولات ايجابية و حقيقية باتجاه العدالة الاجتماعية و الاشتراكية  اقترنت بالصمود على الموقف السياسي في المعادلة الاقليمية والدولية،  لامسنا هذه التحولات في الخطاب السياسي المباشر، و في الخطاب الفكري و الثقافي، بالاضافة الى الممارسة الحقيقية من خلال الاصلاحات الاقتصادية و القانونية و السياسية، و نحن نتمنى الجدية و الاسراع في هذه الاصلاحات و ندعم هذا التوجه بشكل كامل، كما ندعم القيادة السورية في موقفها السياسي المشرف. ـ
نحن مع سوريا لأننا نقف في الجانب الصحيح من المعركة، لتخطو الانسانية خطوة كبيرة نحو مستقبل أفضل يتنصر على جشع الامبراطورية الامبريالية.
لجميع الرفاق تحية نضالية، و لننظر معا لغد آخر و مستقبل أكثر عدالة
 فراس محادين
19/كانون الثاني/2012

Sunday, August 21, 2011

إنتظار


كعادته .. جلس أمام صديقه العصفور .. لم يفهم يوما .. و لم يكن مهما أن يفهم من الاساس سر العلاقة بذلك الصديق .. فلم يضعه يوما في قفص .. و كان ذاك يحلق بعيدا ثم يعود .. كان صاحبنا يستمتع بحرقة الانتظار .. و يتنشي باللقاء ... يومها ... نظر اليه العصفور مطولا بلا أي انطباعات ... و طار ... فهل يعود يوما ؟؟

Tuesday, May 24, 2011

صناعة في غرفة الانعاش




فيلم لـ: فراس محادين




فيلم وثائقي قصير حول أزمة صناعة الأحذية في الأردن
(تمت صناعة الفيلم بلا ميزانية على الأطلاق)

سوبرماركت

فراس محادين
Nikon F80 35mm, 70-200 Macro Lense, Kodak Plus films
 السوق القديم في عمّان - من تصويري
لا اريد سوبرماركت بألوان تستحضر في ذاكرتي أحد الأفلام الأمريكيه (حتى و ان كان فيلم جيد) ... لا اريد خضارا وفواكه منمقة و موضوعة بافتعال شديد لتتوافق مع الوان العبوات البلاستيكيه هنا و هناك....
أفضل الذهاب لسوق شعبي ..حيث تتراكم كتل البندورة و الخيار و الكوسا هكذا اعتباطا في مشهد حقيقي بلا افتعال، و حيث يتوجب علي التحرك بين الباعة و اختيار السعر الأنسب و البضاعة الأفضل، و سأضطر كثيرا ان اتجاوز هذه المعايير و اشتري من احد الباعة الذي أصبح صديقا (و سأبذل المزيد من المجهود و أنا احاول اختيار أفضل الموجود)، و ربما سأحاول مازحا التفاوض معه للحصول على سعر أفضل، و ربما لن أنجح ... و لكن أنا واثق بأن هذه الصداقة و هذه العلاقة الانسانية (حتى و ان اختصرت ببضع دقائق كل اسبوع) تستحق هذا التنازل ...
ما زلت مفتتنا بالألوان العفوية لتلك الكتل الفوضوية من الخضار و الفواكه، و ذلك البائع الذي يضع "تفاحه" بعناية خاصة، و سأقف (كما كل مرة) لمراقبة أحدهم و هو يشتري التفاح لأبنائه و يفاوض البائع و ربما يتبادلان بعض النكات و الشكاوى، طبعا انا أعرف انه يقوم بالشراء لابنائه هكذا ببساطه، فهكذا هم الآباء، يمكن تمييزهم بسهولة، فهناك مسحة من الشدة و الحب سويا، تركيبة تصبغنا جميعا عندما نتحول لآباء، لربما بسبب التقاليد و المخزون، و ربما لصعوبة الحياة التي نمر بها ... و ربما بسبب الاثنين معا ... و في كل الأحوال ...سأتوقف عند هذا المشهد كل مرة ... ربما تطلعا للمستقبل ... أو للماضي ...ـ
ولم تتوقف دهشتي اطلاقا عند مشهد هذه الأسواق ليلا، خصوصا مع اسلاك اللمبات الصفراء المتوزعة بشكل عبثي تماما فوق الخضار و الفواكه، و تفاوت الضوء و الظل مع تلك الألوان المختلفه .. اصفر .. اخضر .. احمر .... و مع وجوه الباعة المتطلعة للعودة لمنازلهم ... و مع اقتراب نهاية يوم اخر من العمل ...
لا اريد سوبرماركت يبيع كل هذه الخضار لحساب شخص واحد... شخص خفي لا أراه ... يعطي القليل القليل من النقود مقابل الكثير الكثير من ساعات العمل للبائعين بملابسهم الموحدة و قبعاتهم (التي ربما تحمل وجها سعيدا) ... و تحتها وجه قارب على فقدان الملامح تماما !!!!
لا أريد سوبرماركت يحوي كل شيء في مكان واحد و يؤمن لك سلال على عجلات تضع فيها ما تريد، يوفر عليك كل الجهد، ويسهل عليك مراكمة المزيد من الوزن الزائد، ويغريك بالمزيد من الطعام َ!!! و ان اراد احدهم او احداهن الاحتفاظ بجسد رشيق فعليهم التوجه نحو أحد المراكز الرياضية حيث يقدم لك الات كهربائية لممارسة الرياضة و برنامج للتمارين و حمامات، كل شيء معد سلفا بما في ذلك الموسيقا و الذائقة ... و ربما سيقوم هؤلاء بشراء مستحضرات للحفاظ على الوزن أيضا ... من نفس السوبرماركت!!!
أنا لا أريد ذلك ... أريد ان امشي أكثر ... و أبذل المزيد من الجهد ... و أن استمتع بذلك السوق أكثر ... و ان اكل بكميات أقل (بما يتناسب مع مجهودي اليومي) ... و اريد ان ابحث عن الموسيقا بنفسي
لا أريد سوبرماركت ... حيث كل شيء معلب .. و مطابق للمواصفات !! .. لا أريد هذا الجو "العائلي" الهادئ ... حيث يمكن للجميع شراء "اشياء" لممارسة طقس جماعي... لتغذية طاقة الانسان التواقة للتطور و الحرية و تقديم"المهدئات" لها عبر "اشباع" زائف لهذه الحاجه، فيصبح حذاء على "الموضه" اشارة و فعل تطور و تحرر

لا اريد لأحدهم ان يمارس العمل الأكثر بدائية (و هو مراكمة المال و السلطة) تحت مسمى "الحداثة و التطور و الحرية"
حتى الحرية أصبحت معلبة ... فهناك علب بلاستيكية في منازلنا تحدثنا عن ماهية الحرية بالصوت و الصورة ... و اصبح الجميع يسمع و يرى وهو صاغر و موافق على كل ما يصله من تلك العلب و يمارس ما يسمى بالحرية تلك انصياعا و بلا قرار!!
انا اشعر بالحرية أكثر و انا اشتري النعناع من امرأة مسنة مصرة على الابتسام دائما ... اشعر بالحرية عندما اخلع حذائي و أمشي على الاسفلت حافيا ... أشعر بالحرية عندما احمل موقفا مكدرا للصفو العام (بحسب ادونيس) ...
انا اشعر بالحرية أكثر و انا اكتب هذه الكلمات ...و أخاف ان لا يكون ذلك أكثر من تنفيس لسخط وصل عندي مرحلة الثورة .... و أتمنى ان لا يقرأ هذه الكلمات من يمكن ان يقل سخطه بسبب هذه الكلمات أيضا !!!ـ





(ملاحظة: هذه الكلمات هي عبارة عن احتجاج معلن وليست تحليلا سياسيا أو خاطرة أدبية .. و هي نتيجة نقاشات مع الكثير من الرفاق و الأصدقاء ... و بخاصة الصديق محمد فرج و مقاله التحليلي المهم المعنون بـ "سلعة الحرية و لغة السلطة" على الرابط التالي:
http://alarabalyawm.batelco.jo/print.php?news_id=302855  )

Monday, May 16, 2011

الثورة بين التحرر و ازاحة الوعي

فراس محادين

ظاهرة الاحتجاجات العربية الجديدة ليست بلا مبررات، فهي نتيجة أزمة حقيقية تمتد من المحيط إلى الخليج، و هنا نتحدث عن حزمة متكاملة من الأزمات الداخلية والخارجية. الداخلية فيما يتعلق بإدارة الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم و توزيع الثروة و السلطة وعلاقات الانتاج، والخارجية المتعلقة بموازين القوى ومسألة السيادة والموقف من القضايا المركزية (احتلال فلسطين والعراق)، ونستطيع الجزم تماما بأن هذه الأزمات هي السمة الثابته في جميع الدول العربية.
وفي سياق الأزمة كما أسلفت، فإن التحدث عن عدم استقرار هذه الأنظمة هو أمر واقع، و عدم الاستقرار هذا يعني بالضرورة أن هذه الأنظمة، مجتمعة وفرادى، قابلة لفقدان التوازن في أية لحظة.
وعندما بدأت شرارة هذه الاحتجاجات وعبرت عن نفسها من خلال خروج الآلاف من البشر في شوارع تونس، و امتدت باتجاه مصر في فترة قصيرة فقد سددت الجماهير العربية بذلك ضربة قوية لجميع هذه الأنظمة وأصبحت جميعها تترنح تحت تهديد الاحتجاج الشعبي وأصبح كل منها يدرك أنه يواجه مصيرا مشابها.
وهنا تستلزم الأشارة بأن هناك لاعبا مهما في المنطقة العربية (إلى جانب الأنظمة) وهو الإمبريالية و أدواتها، التي تعاملت مع الواقع العربي الجديد بتطويعه للحفاظ على مكتسبات القوى المهيمنة على الأنظمة العربية، ما اقتضى البحث عن الطريقة التي يستمر بها الإرتهان لهذه الهيمنة، مما خلق "الثورة المضادة".
ويمكن تعريف الثورة المضادة ببساطة بأنها تطويع حركة الاحتجاجات العربية وإزاحة الأزمة في الوعي العربي من مراكزها ومحركاتها الحقيقية (حزمة الأزمات الداخلية والخارجية) نحو بعض العناوين الجانبية التي قد تبدو كبيرة ولكنها في الحقيقة بعيدة كل البعد عن جذر المشكلة، ومن الأمثله عليها: تشخيص المشكلة في مصر بشخص حسني مبارك أو زين العابدين في تونس، أو التحدث عن الحريات و تمثلها في صناديق الإقتراع والابتعاد تماما عن فكرة الاستقلال الإقتصادي وأزمة صندوق النقد الدولي أو معاهدات السلام مع العدو الصهيوني أو الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية... الخ. و استطاعت هذه القوى خلق الإزاحة بسبب ضعف القوى الوطنية وضعف تأثيرها في الشارع العربي مما نزع عن حركة الاحتجاجات بعد التحرر الوطني، وهو الذي كان السمة الرئيسية لها في البداية.
نحن نتحدث عن بوادر ثورة تحرر حقيقية في الشارع العربي، و نتحدث في الوقت نفسه عن ثورة مضادة تحركها مطابخ الإستخبارات الدولية ووكلائها المحليين. و كل من الثورة و الثورة المضادة تحمل مشروعان متضادان تماما كل منهما ينفي الآخر، فمشروع التحرر العربي يواجه مشروع الثورة المضادة الذي يتمثل في ما يسمى بـ "شرق أوسط جديد" تتم فيه إعادة ترتيب الأوراق بما يتناسب مع أمن الكيان الصهيوني وتأمين مصالح الولايات المتحدة في المنطقة لدعم مشروعها الكوني في السيطرة على العالم.
أما من ستكون له القدرة على الصمود؟ و من سيكون له القدرة على التأثير على الشارع أكثر؟ هنا نتحدث عن احتمالات مفتوحة و ستكون الإجابة لهذه الاسئلة مفتوحة للأيام المقبلة..

Thursday, May 12, 2011

أردن منزوع "الهوية" ـ

لفهم ملابسات انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي يجب النظر ببساطة الى القوى السياسية و الأحداث و طبيعة المتغيرات في المنطقة...

بالنسبة لشبكة العلاقات السياسية في المنطقة فيمكن اختصارها كالاتي:

- ما يسمى بتيار الاعتدال العربي:السعودية (و باقي دول الخليج) – مصر – الأردن، و هو التيار المرتهن تماما للادارة الأمريكية، وهو إما متحالف مع الكيان الصهيوني بشكل علني أو من تحت الطاولة.

- تيار الممانعة: ايران – سوريا – حماس – حزب الله – القوى الشعبية (قومية و يسارية واسلامية ووطنية)، و هو التيار الذي يحاول البحث عن استقلال حقيقي عن التبعية لأمريكا و الكيان الصهيوني.

- تركيا الطامحة لدور اقليمي (كمركز سني) متحالف مع امريكا و الكيان الصهيوني من جهة، وتتحدث من جهة أخرى عن "تحرر" و عن دعمها لحق الشعب العربي في الحرية مع بعض البهارات (انتقادات للكيان الصهيوني و رحلات بحرية الى غزة .. الخ)

و يمكن التحدث عن المتغيرات الأساسية في النقاط التالية:

- الانتفاضة الشعبية في مصر و التغير في رأس السلطة و ما سيصاحبه من تغير في الأداء السياسي و ربما دور مصري جديد في المنطقه

- ما يسمى بالمصالحة الفلسطينية و أثرها على المنطقة

- الأحداث في سوريا

و كما نعرف جميعا، فهناك مخطط أمريكي قديم (متجدد) يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد"، و هو ما بشرت به رايس من قلب بيروت أثناء دك الطائرات الصهيونية للشوارع و البلدات اللبنانية، و لكن الصمود البطولي لحزب الله أفشل ذلك المخطط وقتها، مما استدعى تجديد هذا المخطط تبعا للظروف و المتغيرات، فقد أدى انتصار المقاومة اللبنانية المجيدة و صمود المقاومة الفلسطينية (حماس) ما بعد العدوان الصهيوني على غزة (وما بعد مؤامرة السلطة الفلسطينية عليها) الى اضطرار الادارة الأمريكية للبحث عن بدائل لمواجهة تزايد قوة و تأثير تيار الممانعة في المنطقه الذي توج بنزع الحريري عن رئاسة الوزراء في لبنان، و هو ما استدعى للبحث عن حليف قديم – جديد للعب دور جديد في المنطقة (تركيا).

و في عصر ما بعد الانتفاضة الشعبية في مصر، و البحث عن دور سياسي حقيقي لمصر، و في سياق القلق التركي من هذا الدور، و الذي ربما سيؤدي الى خلق بؤرة للتحرر العربي (خصوصا ان تحالف مع تيار الممانعة) مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب السياسية التي يقوم بها المجلس العسكري الحالي في مصر للبحث عن دوره الإقليمي (تمرير البوارج الايرانيه، الضغط على السلطة الفلسطينية و حماس من أجل المصالحة، تفجير انابيب الغاز لوقف التصدير لاسرائيل ... و حتى التفاوض مع دبلوماسيين اسرائيليين ... الخ)، الذي يجبر الادارة الامريكية على البحث عن بدائل.

أما الأحداث في سوريا (بغض النظر عن الموقف منها) .. و لكن، اضعاف النظام السوري يؤدي بالضرورة الى اضعاف تيار الممانعة مما يضع على الطاوله خيار تعزيز دور الحليف الرئيسي للولايات المتحدة (السعودية)، و خلق قطب جديد في المنطقة ليلعب دورا في اعادة ترتيب المنطقة و تمرير ما يسمى بـ "الشرق أوسط الجديد"، و في الحقيقة لا يمكن انكار الدور السعودي كوكيل للولايات المتحدة في المنطقة، و لا يمكن انكار أولوية اسرائيل كصمام أمان أمني لمصالح العم سام في بلادنا...

طبعا على تركيا ان تحدد خياراتها في هذا السياق، إما الذهاب بعيدا و البحث عن تحالف اقليمي مع تيار الممانعة و القوى الجديدة الصاعدة (مصر)، أو البقاء على مسافة واحدة مع الجميع و بحث الخيارات الأمريكية (القديمة الجديدة) لها، و هو ربما ما يحدث الان بالنظر الى الموقف التركي من احداث سوريا، و هنا المسألة تعتمد على الرهان السياسي على الخيارات القابله للصمود و الخيارات القابلة للهزيمة. خصوصا مع المصالحة الفلسطينية التي ربما ستخرج حماس من دائرة الممانعة العربية ... طبعا الجميع ينتظر تطور الأحداث على أكثر من صعيد، و الجميع وضع نفسه في منطقة الرهان السياسي نفسها للحفاظ على خط الرجعة و فتح الأفق أمامه على حسب النتائج المختلفه للوضع السياسي.

و بالتالي، فإن التحركات لخلق دور اقليمي لمجلس التعاون الخليجي في مواجهة ايران في هذه اللحظة السياسية هو بالضرورة من أجل اضعاف تيار الممانعة لتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، بحيث يكون لاسرائيل الدور العسكري و السياسي الرئيسي (للحفاظ على أمنها)، و ذلك يعني بالضرورة تمكين اسرائيل من حل القضية الفلسطينية من خلال مشروعها المعلن (مشروع الكونفدرالية)، و تحويل المحيط العربي الى كيانات هشه غير قادرة على أخذ زمام المبادرة و القرار السياسي.

و لذلك نقول أن من يحلم ببناء دول ديموقراطية ذات سيادة حقيقية خارج اطار الممانعة هو واهم، لأن المطروح هو الانبطاح للمشروع الأمريكي تماما، و بالتالي أية طموحات لأي مشروع خارج هذا السياق هو وهم أو عمالة.

أردنيا، الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني بالضرورة الهرب من استحقاقات الاصلاح السياسي و الاقتصادي الحقيقية، و التأكيد على الخيارات الأمريكية، و لكنها هذه المرة تهدد الوجود الأردني نفسه، فمشروع الكونفدرالية يعني انتهاء مشروع الدولة لصالح الارتهان الكامل للمشرووع الامريكي ... وذلك من خلال رمي الهوية التاريخية للدولة بعرض الحائط، و فتح الأردن مرة أخرى لخيار المساعدات الخارجية.

و عليه، فإن الانضمام لمجلس التعاون الخليجي يعني التحرك في اتجاه اضعاف تيار الممانعة، وبالتالي تقوية الخيار الامريكي – الصهيوني، و هو ما سيفتح الباب و سيسهل تمرير المشاريع الصهيونية في المنطقة بلا "ممانعة" ... أي الذهاب مباشرة نحو الكونفدرالية

Saturday, January 22, 2011

هؤلاء .. و هؤلاء ... و هؤلاء


(انطباعات مقتضبه عن مظاهرة الإحتجاج في عمّان-الأردن، بتاريخ 22 كانون الثاني 2011)
يوم الغضب الثاني

هؤلاء..

أطفال ... من جمعية أيتام في إحدى المناطق الفقيرة في عمّان ... انضموا لحركة الإحتجاج في الأردن ....
قرروا عدم الالتحاق بأي من التجمعات "السياسية" في المظاهرة ....
هكذا كانوا ... وحدهم ... احتجوا ... هتفوا أجمل الهتافات ... و أكثرها شجاعة ... و أكثرها وضوحا بالرؤيه السياسية ...
قرر البعض الانضمام لهم ... و كنت أنا احدهم ...

هناك من يبحث عن "حامل شعبي" ... و "تبلور مشروع سياسي" .... مما قادني للتساؤل ... هل كان هناك مكتب سياسي وراء قرار البوعزيزي مثلا؟؟؟


***********


و هؤلاء..

قادمون من اليسار ... رايات بيضاء ... بأقنعة حمراء


***********
و هؤلاء..




قادمون من اليمين ...
التاريخ يعيد نفسه ... انه لتاريخ ممل !!!!
ما الذي يحدث خلف الأبواب المغلقه ؟


Wednesday, August 18, 2010

إدراك .. ملتبس

1)
اركض في ذلك النفق الاسطواني .. وقع الحديد تحت اقدامي يتحول لإيقاع مسل .. على نحو مريض ..
افقد احساسي بالجاذبيه .. أركض .. رأسا على عقب ..
أركض .. بسرعةٍ أكبر ... أحاول تذكر الأغنيه .. لذلك الإيقاع المريض ..
اقترب من الفوهة .. و لسببٍ ما .. يتولد لدي شعور ما بالتهديد ..
أركض .. بسرعة أكبر .. فوهة النفق تزداد حجما ..
على طرف الفوهة الفولاذية ... أفقز الى الأمام ..
اندم .. ينزل ذلك الندم بثقله على صدري ..
لماذا فقزت إلى الأمام ؟؟!!! ..
كان عليّ أن أقفز إلى أسفل .. أو ربما إلى أعلى ..
تتزايد الحرارة خلفي .. أسمع الحفيف الخفي لذلك الخطر المقترب من الخلف ..
أدرك الآن ... أن كاتم الصوت لم يسعفني .. حتى و إن كسبت المزيد من الخطوات داخله ... أنا في الهواء الآن ..
أحاول تذكر تلك الأغنيه .. لذلك الإيقاع المريض ..
ينقبض قلبي .. و أدرك .. عدم موائمة الفكرة ..
أشعر بتلك الطلقه ... تخترق أسفل عظمة في عمودي الفقري ... ـ
***
أستيقظ فجأة ... أنظر حولي ... ساعة الحائط تشير الى المزيد من الوقت للنوم ... أحاول تذكر تلك الأغنيه .. ولكن ... أي أغنيه ؟؟
أدرك ... انه حلم آخر .. قد تلاشى ... و استسلم للنوم مجددا ..ـ
***
2)
يقف الجميع بتثاقل ... لاستقبال القضاة في قاعة المحكمة ..
انظر حولي .. ثم ... أقرر الوقوف أنا أيضا ...
أدرك .. أن جميع من في القاعة قد جلس .. باستثائي ..
أجلس .. أتابع ما يحدث باهتمام .. لمعرفة حيثيات القضية، فالتهمة أن أحدهم صرّح  بشيء ما ... و كان هذا التصريح ... "مزعجا" ..
يضيف القاضي أوراقا الى ملف القضية ... و يهمس بإذن مستشاره ... و بلا اكتراث .. يقرر تأجيل الجلسة .. لموعد آخر ..
***
3)
يحدث معي كثيرا .. أن أجد نفسي هكذا ... محاصرا بين قلم و بعض الأوراق ..
أفرغ هوسا ما .. أهرب من سلطان اللغة ... و أتساءل ... إن كان ذلك مجديا ..
اتلصص على عدد قليل جدا من القراء .. و منهم أنت ..
لا لسبب .. إلّا لإنهاء ما أفعله الآن ..
لألفظ هذه الأوراق بعيدا .. و انتهي .. كما هي العادة ... محاصر .. بين أوراقي .. و بين حلم ما ... في انتظار أن استيقظ مرة أخرى ..
فراس محادين
عمّان في 18\8\2010

Saturday, April 03, 2010

التطبيع .... التطبيع الثقافي




هو التعامل "الطبيعي" على كل المستويات مع أي شخص أو جهة أو مؤسسه عامة أو خاصة تمثل الكيان الصهيوني في أي مكان في العالم ....

و التطبيع يحمل مفاهيم خاصة داخل الأراضي العربيه ... باعتبار الكيان الصهيوني عدو واضح و مباشر و محتل لجزء من أرضه .... و لمن يعتبر الوطن العربي ليس جزءا من مشروعه ... فالكيان الصهيوني عدو مباشر لكل الدول العربيه بغض النظر عن الموقف "القومي" ...

و في حالة مصر خصوصا ... فالكيان الصهيوني ليس عدو مباشر لأسباب تاريخية فقط ... بل لأسباب آنية (حاليّة تتعلق باللحظة الراهنة) حيث أن الصهاينة يشكلون ضررا مباشرا على مصر و الشعب المصري على أكثر من صعيد (سياسي و اقتصادي و حتى اجتماعي) من قضايا الغاز الى سيناء الى الجواسيس الذين يتم اكتشافهم بشكل متكرر حتى يومنا هذا ...

و بالتالي الاصرار على مجابهة التطبيع هو عمل وطني أولا لحماية الدول العربية و واجب على كل مصري لحماية مصر... و قومي على كل عربي لحماية المشروع القومي ... وواجب على كل انسان للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للجرائم يوميا


***


المقاطعة و مجابهة التطبيع تعتبر ابسط وسيلة للتعبير عن رفض الوجود الصهيوني على مستويات متعددة:

- رفض الوجود الصهيوني أساسا على أرض فلسطين المحتله منذ عام 1948 ... و رفض انشاء الكيان الغير شرعي المسمى بـ "اسرائيل" ... و ذلك بناء على القرارات الغير شرعيه مثل قرار التقسيم المتبنى من قبل الأمم المتحدة بشكل غير شرعي و على انقاض الحرب العالمية الثانيه لتحقيق مصالح الدول الاستعماريه و التي كسبت الحرب العالمية آنذاك ..

- رفض الوجود الصهيوني على الأراضي التي قام الكيان الصهيوني باحتلالها عام 67 و التي لم تحصل حتى الآن على غطاء "الشرعيه الدولية" بقرارات الأمم المتحدة... و رفض كل اشكال الاحتلال و الاستيطان و تشريد الشعب الفلسطيني...

- رفض الجرائم اليومية التي يقوم بها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة و غير المحتله (مثل غزة) ... و رفض كل أشكال الاستيطان المرفوضة حتى دوليا ..

- رفض جدار الفصل و الضم العنصري الذي يقيمه الاحتلال على أراضي فلسطين و الذي يشكل كارثه يوميه على السكان في الداخل الفلسطيني كما يشكل خطر استراتيجي على مستقبل الفلسطينيين و يوضح المخططات الصهيونيه في تقسيم فلسطين لمناطق صغيرة و متناثرة لا تصلح لحياة "شعب"، مما يسهل الغاية الكبرى للمشروع الصهيوني و هو احتلال كامل التراب الفلسطيني. و يجدر بالذكر هنا أن محكمة العدل الدولية و التي تعتبر إحدى أهم وسائل ما يسمى بـ "الشرعيه الدوليه" قامت باصدار قرار يدين وجود الجدار و يطالب باسقاطه.

- رفض جرائم الحرب اليومية و التاريخية التي قام و يقوم بها الكيان الصهيوني منذ تأسيسه الغير شرعي و حتى هذه اللحظة بقتل الأطفال و المجازر الجماعيه و قتل المدنيين و أشكال الارهاب المختلفه التي يستخدم فيها هذا الكيان أقوى الأسلحة التي يحصل عليها من حلفائه الاستراتيجيين ....

- رفض التهديد الدائم الذي تشكله "اسرائيل" على استقرار و سيادة الدول المحيطه بها في المنطقة، من خلال تملّكها لترسانة نووية .... و رفضها التام (بالاضافه لرفض "المجتمع الدولي") لأية دولة أخرى في المنطقة لحيازة أسلحة من هذا النوع لتحقيق ما يسمى بـ "توازن الرعب" ... مما يؤدي الى جعل الكيان الصهيوني القوة الوحيدة المهيمنه في المنطقة و سيادة رأيه في أي مسأله متعلقة بالأمن أو السياسه في شؤون المنطقة...

و بالاضافة الى ذلك، سرقة الغاز (بالنسبة لمصر) و الماء (بالنسبة للأردن و سوريا و لبنان) و الثروات الطبيعيه الأخرى و الأراضي .... و الاتفاقيات التجارية و الصناعية الأخرى التي تجعل الدول المحيطة بالكيان الصهيوني مجرد مجمعات صناعيه و أسواق تجاريه لخدمة المشروع الصهيوني نفسه. دون أن تسمح بأي مشاريع تنموية و ديموقراطية لتحقيق الدولة الحديثة من خلال دعم "اسرائيل" و حلفاؤها الاستراتيجيون للأنظمة الحالية و التي تقوم بمنع هذه المشاريع منذ أكثر من 30 عاما. و بالطبع يجب ذكر شبكات التجسس التي يتم كشفها بين الحين و الآخر و التي تشكل تهديدا مباشرا على أمن الدول العربيه.

إذن ... رفض التعامل الطبيعي مع أي شخص أو جهة أو مؤسسه تمثل الكيان الصهيوني هو تعبير بسيط عن رفض (أحد أو كل) ما ذكر أعلاه .... و التعامل الطبيعي مع الكيان الصهيوني يعبّر عن قبول الوجود الصهيوني، و بالتالي قبول "شرعيته" و بالتالي قبول ممارساته و قبول تأثير هذه الممارسات منذ التأسيس و حتى يومنا هذا ...

***


من الحق الطبيعي لأي شعب أو أمّة تعرضت للإحتلال و الظلم بالمقاومة، و تتعدد أشكال هذه المقاومة ... من المقاومة المسلحة (باستخدام العنف) الى المقاومة السلمية (اللا عنف) ... و هناك بعض العناصر الشعبيه في أي أمه أو شعب تقوم بالتزام موقف سلبي أو حتى عميل من هذا الاحتلال أو الظلم عموما ....

و هناك تجارب في التاريخ اثبتت نجاح المقاومة السلمية (مثل غاندي في الهند) ... أو حركات التحرر الوطني السلمية عموما .... أما في حالة الكيان الصهيوني ... فقد أثبت أن اللغة الوحيدة التي يفهمها هي لغة القوة ... و ذلك بالدليل اليومي القاطع بمتابعة ممارساته المجرمة بشكل يومي في فلسطين ...

و على كل الأحوال ... لم تستطع الشعوب العربية بسبب تخاذل الانظمة في التعامل مع القضية الفلسطينية و بسبب سياسات القمع التي تمارسها على المواطنين الا بتبني شكل المقاومة السلمية ... و الدليل على ذلك الوجدان الشعبي العربي الذي يجمع على مقاطعة اسرائيل ....

و في الحقيقة فإن تبني خيار المقاومة السلمية الذي اتخذته الشعوب العربيه يمكن اعتباره خيارا شعبيا بامتياز ... و هو الخيار الوحيد الممكن في هذه اللحظة أمام هذه الشعوب ... خصوصا في مواجهة حالة التخاذل و التناثر التي يعيشها الوطن العربي .....

أما الدعم الشعبي لمشروع المقاومة عموما .... فيمكن الرجوع الى الشعوب نفسها .... و اكتشاف الدلائل التي تؤشر على اجماع شعبي كامل على فكرة المقاومة للعدو الصهيوني بكل اشكال هذه المقاومة.

و في هذا الاطار يمكن وضع مجابهة التطبيع و المقاطعة مع العدو الصهيوني كأحد الأشكال (إن لم يكن ابسطها) لمقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين و المنطقة. و في هذا الاطار أيضا يمكن وضع أي شكل من التطبيع كعمالة مباشرة للمشروع الصهيوني ....

***


عبر التاريخ و الحضارات جميعا ... كان المنتَج الثقافي لأي أمّة أو حضارة أو شعب، ما هو إلا تعبير عن هموم ومشاكل و أحلام و طموحات هذه الشعوب ... بالاضامة لطموحات (المثقفين) في مستقبل أفضل لهذه الشعوب .... أو حتى للإنسانية ....

و لا يمكن فصل مشروع (المثقف - المنتِج)عن مشروع أمته أو شعبه أو حضارته أو عن طموحات المشروع الانساني عموما ....

و في هذا السياق، لا يمكن القبول بأن يقوم أي من هؤلاء (المثقفين) بانتاج أي خطاب يتعارض مع طموحات و آمال و أحلام شعوبهم ... خصوصا عندما يكون هذا الخطاب يصب في مصلحة العدو بشكل مباشر .... و في حالة العدو الصهيوني ... عندما يقرر المثقفين العرب التطبيع مع العدو الصهيوني فإن ذلك يعني دعما كاملا و مباشرا للمشروع الصهيوني، حيث أن هذا التطبيع يعني بشكل مباشر "قبول" الوجود الصهيوني، أي قبول الدولة الصهيونيه، أي قبول احتلال فلسطين، و هذا القبول في هذه اللحظة يعني مباشرة قبولا للممارسات و الجرائم اليومية التي يرتكبها هذا العدو ...

و لذا فإن المقاطعة و مجابهة التطبيع هو واجب إنساني لأي مثقف وواجب وطني و قومي للمثقفين في الوطن العربي ... حيث أن الكيان الصهيوني هو العدو المباشر للدول العربيه و هو الذي يهدد استقرار و نمو المنطقة ... سواء على مستوى الدول أو على مستوى الوطن العربي ككل ...

عندما يقرر أي من المثقفين التطبيع مع العدو الصهيوني تحت أي مسمى (حتى لو كان فهم الآخر ... أو المواجهة ... أو العماله بشكل علني) ... فهو ... و في كل هذه الحالات ... يعزز شرعية وجود الكيان الصهيوني ... مما يسهم في آلة القتل اليومية التي تشرد و تقتل الشعب الفلسطيني يوميا .... و تسرق أرض هذا الشعب ... بالاضافة الى سرقة الصهاينة لمقدرات و ثروات الدول المجاورة ... و انتزاع سيادتها أيضا ..

Friday, December 25, 2009

الساعة الثامنة صباحا


في الساعة الثامنة صباحا ... وصل الى موقف الباص .... كعادته ...

و كعادته أيضا ... في الصباحات الباردة ... حمل ذلك المعطف الثقيل على جسده ...

وجد بقعة من الشمس .. قرر التوقف فيها .... و لكن ...

إحدى الفتيات تقف في نفس البقعه ..

"أين سأقف؟" .. فكّر ...

"تلك الفتاة جميلة فعلا ... لم أرها من قبل" ... فكّر أيضا ...

هو ... يجب أن يقرر البقعة التي سينتظر فيها وصول الباص ...

هل سيقف خلف الفتاة.... ربما تظن أنه سيقوم بمعاكستها .... تردد ... ثم ... قرر أن يقف أمامها .... و هكذا كان ....

وقف بمعطفه الثقيل ... يراقب بدقه الأجساد الحديدية الضخمة التي تمر أمامه في الشارع ... بانتظار الباص المعهود ....

"هذا الصباح أكثر برودا من المتوقع" ... فكّر ... ثم شعر بالسعادة لايجاده بقعة الشمس تلك للتوقف فيها .... ابتسم ... ثم ....

تلك الفتاة خلفه ... فكّر ... كانت الفتاة جميلة حقا ... اراد النظر خلفه ... تردد .... نظر خلسة .... اراد النظر مجددا ... و لكن .... ربما سيعرف الموجودين في موقف الباص بأنه وحيد .... لم يرد ذلك .... ربما خجلا منهم .. و ربما خجلا من نفسه ... لأنه فعلا ... وحيد ...

قرر عدم النظر خلفه ... تمالك نفسه ... ثم ....

وصل الباص المنتظر .... صعد مباشرة ... و جلس على أحد الكراسي في مقدمة الباص ...

مشى الباص ببطء في شوارع المدينه ....

هو ... ظل طوال الطريق يفكر للتوصل لطرق مختلفه ليبرر النظر خلفه نحو تلك الفتاة .. كان يعرف أنها تجلس في الخلف .. فقد رآها و هي تصعد خلفه في نفس الحافله ... كان سعيدا بذلك ...و شعر بالحزن في نفس الوقت ... فقد تذكّر أنه وحيد الآن ...

مرةَ ... نظر خلسه ..

و مرة أخرى ... و هو ينظر من الشباك ... لحق بنظره حافلة أخرى .. و كأنه مهتم فعلا بتلك الحافله ... كان في الحقيقة يبحث عن مبرر كي ينظر نحو تلك الفتاة ...

و في مرة ثالثه ... بحث عن شيء ما في جيوب المعطف ... كان متأكدا تماما أن جيوبه خاليه .. و لكن ... كان ذلك يسهل عليه مهمة النظر نحو الفتاة دون أن يكون ذلك مكشوفا ...

لم يكن يعرف لماذا ... لم يكن يريد أي شيء سوى النظر إليها ... ربما شعر في تلك اللحظه باهتمام نحو شخص ما .... كان ذلك يكفيه ... ليعبر صباحه البارد ...

وصل الى محطة النزول ....

هو ... سيبدأ يومه المعتاد في العمل ...

* * *

في الساعة الثامنه صباحا .... كانت تقف في بقعة الشمس على موقف الباص ...

و لسبب ما ... كانت تشعر بالحيويه في ذلك الصباح ...

"أنا متأكدة أن الوشاح القرمزي يبدوا جيدا على المعطف الأبيض" ... قالت لنفسها .... كانت سعيدة بتلك الفكرة ... لم تكن متكلفه في ملابسها .... ولكن كانت أنيقة ..

جاء شاب بمعطف رمادي ووقف أمامها في المحطة ... لم تلاحظه في البدء ... فقد كانت تفكر في اللقاء مع أصدقائها بعد العمل .... تمنت أن يكون الجو مناسبا بعد الظهر ... سيكون من الجيد اللقاء في مكان مفتوح ...

هي ... تحب الأماكن المفتوحه ...

نظرت نحو الشارع ... في انتظار الباص ... لاحظت الشاب ذو المعطف الرمادي الواقف أمامها ... كان تركيزها منصبا في تلك اللحظه على ياقة المعطف لذلك الشاب .... كانت الياقة تحتاج الى تعديل من الخلف .... تمنت لو تستطيع تعديلها .... داعبتها الفكرة ... ابتسمت ...

"لا بد أنه وحيد" ... هكذا فكرت ...

هناك بعض الأشياء التي يمكن أن تشي بالتفاصيل الخاصة بحياتنا، كحكاية الياقة تلك. و بالفعل، لو لم يكن صاحبنا وحيدا، لكان هناك من يعدل لهذا الشاب ياقته من الخلف قبل أن ينزل. و الحقيقه المؤكده، أنك لا تستطيع أن ترى ياقتك من الخلف لو نظرت بالمرآة. و المؤكد أيضا، أن هذا النوع من التفاصيل يجذب دائما المرأة للتدقيق فيه .. لربما هو ما يسمونه "حاسة المرأة السادسة". و في قصتنا هذه، سيكون تأثير حكاية الحاسه السادسة للمرأة أكبر بكثير على صاحبنا الخائف من وحدته لهذه الدرجه ...

و على كل الأحوال ... وصل الباص ... و صعدت هي ...

في الباص ... جلست بجانب الشباك...

نظرت نحو الأبنيه و الحافلات و السائرين على الأقدام... فكرت بالكثير من الأشياء ... تذكرت الكتاب الذي كانت تقرأه قبل أن تنام ... وضعت يدها على حقيبتها .... و تأكدت من أنها ما تزال تحمله ... شعرت بالارتياح ... فربما يمكن أن تسرق القليل من الوقت للقراءة أثناء العمل .... هو عمل ممل على كل الأحوال ... و لا ضير من بعض القراءة ...

هي ... كانت تكره الكلمات المتقاطعه ... و كانت تكره أكثر من يقومون بالتسليه بها أثناء العمل ...

هي ... تكره الأشياء المكررة و النمطيه ..

ذلك الشاب ما زال في الباص يجلس أمامها ...و ما زالت ياقته بحاجه إلى تعديل ...

كان يلتفت يمينا و شمالا ... أصبح لديها بعض الفضول لتعرف شكله ... فهي لم تره إلا من الخلف ... كم تمنت أن ينظر ناحيتها.

الغريب هنا، أن صديقنا الذي كان يبذل الكثير من المجهود لينظر نحو الفتاة ... كان يبذل مجهودا أكبر كي لا ينبه أحد اليه.. مما منع الفتاة من رؤيته ...

عادت صديقتنا للتفكير بكتابها .. و فكرت أيضا بأول شيء ستقوم به عندما تصل للعمل ... كان لديها رغبه مفاجئه لشرب الشاي بالنعناع ....

لم تكن تشرب الشاي أصلا ... نظرت نحو صديقنا مجددا ... و فجأة ... توقف الباص .. نزل صديقنا مسرعا ... لحقته بنظرها ... لم تتمكن من رؤيته بوضوح ... فكرّت .. ربما سأراه على نفس الموقف مجددا....


فراس محادين

القاهرة – في 25 كانون الأول 2009